محاسبة النفس
السيد عباس نورالدين
تقتضي المرحلة الأولى في السفر والهجرة إلى الله، أن يقوم السالك بترويض نفسه وتبديل وجهتها من: كونها مستغرقة في عالم المادة والطبع، وما فيهما من غلبة الشهوة والغضب، وما يتبعهما من حكومة الوهم، إلى: صيرورتها متّجهة إلى عالم النور ومنقادة للقلب في تنوّره بأنوار العقل.إنّ سعينا لتثبيت حكومة العقل حين استنارة القلب به، يتطلّب مثل هذه الرياضة؛ أو فقل إنّ هذه الرياضة، ليست سوى ثمرة من ثمار حكومة العقل. فمن اقتفى أثر هذا النور الساطع في قلبه، اهتمّ بنفسه وجعل كرامتها هدفًا له.حين تكون النفس متخبّطة بين الشهوة والغضب، وحين تفور نيران هاتين القوّتين من منبع الانشغال والاشتغال الزائد بشؤون الجسد وعالم الطبيعة، وحين تكون الدنيا غايتنا، فمن الطبيعي أن يفقد أيّ واحدٍ منّا جهة الاتّصال الواعي بنفسه؛ وهذا ما يعبّر عنه بنسيان النفس، كما في قوله تعالى: {نسوا الله فأنساهم أنفسهم}،وبسبب ذلك لن نتوقّف عند سيّئاتنا وأخطائنا ونتخلّص منها.
إيقاف النفس على أفعالها القبيحة وأخطائها ومعاصيها هو أوّل خطوة؛ لأنّ الاسترسال في الذنوب هو التعبير الواضح عن تفلّت النفس من عقال العقل. فالعقل يحكم بصورة قطعية بأنّ كل هذه المخالفات لن تؤدّي إلا إلى هلاك النفس وبوارها في الدنيا والآخرة، مثلما أنّه يحكم بضرورة اتّباع الإنسان الكامل، الذي هو مظهر العقل التام. ويعين على هذا كلّه ما أودعه الله في فطرتنا من النفور من الخسران والعاقبة السيّئة، وما ينجم عنه من ندمٍ وتألُّم باطنيّ يعزم المرء بسببه على الإقلاع عن الذنوب وأسباب الهلاك، ويعقد على التوبة وإصلاح ما فات. ولكي لا يتكرّر الفعل القبيح، لا بدّ من مراقبة دقيقة للنفس في همّها واندفاعها وفي خواطرها وأفكارها ورغباتها، التي ستتجلّى بصورة الأفعال والتصرّفات..بَيد أنّ نور المراقبة لا يقوى ولا يشتد ما لم يكن هناك عزم على محاسبة النفس وتأديبها على القبائح، وترغيبها بالحسنات والصالحات. فينبغي أن تذوق النفس بعضا من المكاره على ما اقترفت، وتستشعر بعضا من المباهج على ما أحسنت. ولهذا، كان لا بدّ من ميزانٍ دقيق للمحاسبة.ولأنّ السفر إلى الله يعتمد على هذه التجارة، التي يسّرها لنا ربّنا، وجعل الحسنات فيها وسيلتنا، والسيّئات عقباتنا وموانعنا، فعلى السالك إلى الله أن يدرك أنّ أساس الربح والحسنات هو مدى ما يستقبل ويتقبّل من نعم الله تعالى؛ فهذا هو صراط الله المستقيم، أي صراط الذين أنعم الله عليهم. فبالنعمة وتمامها يتكامل الإنسان ويرتقي. وهذا ما يعتمد على عرفانه وشكره وحسن استعماله لها. وفي المقابل، فإنّ كل خسران وفشل يرجع إلى سوء التعامل مع نعم الله. ولهذا، كانت المعاصي تعبيرا عن قلّة الشكر واستخداما سيّئًا لنعم الله، كالجوارح التي حبانا الله بها، والأموال التي رزقنا، وغيرها من الإمكانات والقدرات.
فبالحكمة يعرف الإنسان موارد النعم، لأنّه يعرف مواضع الأشياء. فمن لم يكن بوارد تجميع قطع جهاز أو مركبة ما، لن يدرك ما إذا كانت تلك القطعة الفلانية مناسبة لمركبته..وبسوء الظن بالنفس واتّهامها وعدّها ميّالة للهو والباطل وأمّارة بالسوء بطبعها، يحصل الإنسان على حدّة البصر التي يقدر من خلالها على كشف مؤامرات النفس ومكائدها وتوجّهاتها الخفيّة نحو المخالفة وباختصار، فإنّ جميع النعم والتوفيقات والطاعات والحسنات هي مننٌ إلهية، حبانا الله بها من دون أن نكون مستحقّين لها؛ وإنّ جميع المعاصي والمخالفات، التي تصدر منّا، تكشف عن حقيقتنا وتحكم علينا. وبفضل هذا التمييز النظريّ، يمكن أن ننتقل إلى مرحلة التمييز الواقعيّ والإذعان بذلك عند كل نعمة أو جناية.



