الطهارة من الذنوب
تمثّل الذنوب التي تصدر منّا تعبيرًا قويًّا عن وجود الحاجز الأكبر بيننا وبين لقاء الله،فإذا كان لقاء الله هو الغاية القصوى والهدف الأسمى لوجود الإنسان، فإنّ هذا الهدف لا يمكن أن يتحقّق إلا بعد زوال كل أشكال الإنيّة (رؤية النفس في استقلالها)، وحالات الأنانية (حبّ النفس في مقابل حبّ الله)..إنّ التحقّق بمقام عند الله وصيرورة الإنسان وليًّا وعبدًا خالصًا لله وبلوغ مرتبة رضوان الله، كل هذه لا تكون إلا بعد إسقاط كلّ التعيّنات الأنفسية والتوجّهات الغيرية. فما دام الإنسان ناظرًا إلى نفسه أو متوجّهًا إلى غير الله تعالى، فهو غير لائق بمظهرية أسماء الله والاتّصال ببحر الكمال المطلق..وإنّ أجمل تعبير عن هذا المقام الأعلى هو أن يعيش الإنسان حالة الفناء في الله بفعله وتوجّهه وصفاته وذاته، فيكون له مقام البقاء بالله فعلًا وصفةً وذاتًا. وليست المعصية سوى تعبير عن شدّة رسوخ رؤية النفس والأنانية. ولهذا، فمن أراد الرجوع إلى الله تعالى الذي هو التحقّق بشأنية الله، لا بدّ أن يتخلّص من المعصية ويتوب من الذنب. ولهذا قالوا: إنّ التوبة هي حالة رفض الاستمرار على طريق المخالفة وترك سبيل المعاندة،ولا تصح التوبة إلا بعد معرفة ماهية الذنب وتطبيق هذه المعرفة على أحوالنا المختلفة، حتى نتعرّف إلى مصاديق الذنوب التي اجترحناها، فنتوب منها ونقلع عنها. وأهم ما ينبغي أن نعرفه عن الذنب هو أنّه عبارة عن الانخلاع عن العصمة الإلهيّة التي تشبه التيّار، الذي يتّصل بكل نفس ويحول بينها وبين المعاصي. فالأصل في الحياة هو أنّ الله يعصم جميع عباده ويربط وجودهم بوجوده لكيلا يعرضوا عنه. لكن يبقي لهم الاختيار؛ فمن عصى، فكأنّه انخلع عن هذه العصمة وانقطع عن هذا الفيض..فعلينا أن نغوص في فهم هذه النفس، التي بلغت هذا الدرك من الانحطاط؛ كما علينا أن نفهم سبب إصرارنا على عدم تداركه مع سنوح الفرصة لذلك، خصوصًا أنّنا نكون على يقين بأنّ الله يرانا. فهل لأنّنا عددناه أهون الناظرين إلينا. ولو لم نكن على هذا اليقين، فنحن أسوأ حالًا لأنّنا كفرنا بالربّ العظيم..وباختصار، ليس الذنب مجرّد فعل مخالف لما يريده الله؛ وإنّما يحكي عن حقائق داخل النفس، يجب أن نتوغّل فيها ونتعرّف إليها لكي نعلم ما نحن وكيف نحن، عسى أن يكون ذلك مقدّمة للتوبة والرجوع الحقيقيّ..فالمعصية ليست سوى سير بالاتّجاه المخالف ولهذا، لا تجتمع مع السير إلى الله.



