النسخة الرقمية

سياسة الإمام علي «عليه السلام» في ادارة شؤون الدولة

يعتمد أغلب ساسة الدول وقادتها ومن يتولون الأمور في مختلف شؤون الحياة في التوصل إلى أهدافهم كل سبيل، حتى لو توقف ذلك على ارتكاب كل ما ينافي المبادئ الإنسانية السامية، والشرائع السماوية، وهذا ما يعرف – اليوم – بمبدأ: (الغاية تبرر الوسيلة)، وهو المبدأ الذي تنتهك به كل الحرمات، وتعاني منه الشعوب آلام الظلم والحرمان، لتتحقق للمتسلطين أهواءهم بما يسلكون من طرق ملتوية، ويخالفون السنن، والقوانين، والشرائع، في سبيل التوصل إليها، لمجرد اعتقادهم أو ادعائهم أنّها تحقق لهم غاية مشروعة، وهذه السيرة اعتمدها المتسلطون على مدى تاريخ البشرية، وشواهدها أكثر من أن تحصى، ولا زال العالم يشهد آثارها كل يوم..فالإمام علي عليه السلام هو تالي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، والذي عرف باتباعه والسير على هديه، والذي ثبتت عصمته، لا يمكن أن يحيد عن الأسس والأحكام التي قررها الدين الحنيف قيد شعرة، وقد حفل التأريخ بشواهد كثيرة على نبذه الأساليب والسبل التي لا تتفق مع مبادئه وأخلاقه، وتحمله في ذلك النتائج التي يفرزها هذا السلوك حتى لو كانت غاية في القسوة، وقد اشتهر عنه عليه السلام – على سبيل المثال – من جيش معاوية في طريقه إلى صفين، فلم يقابله بالمثل عندما أخذ شريعة الفرات من جيش معاوية، بل سمح لهم أن يتزودوا من الماء، وكانوا يريدون قتله وجيشه بالعطش.
لقد قارن الناس بين ما كان يجري في ظل حكومة الشام على يد معاوية، وبين ما كان يجري في ظل الدولة الإسلامية على يد الإمام علي عليه السلام، وجعلوهما ضمن معادلة ذات طرفين، وأخذ بعضهم يكيل الإنتقادات لما صدر عن الإمام علي عليه السلام، وكأنّهم بذلك يريدون أن يجعلوا منه نظيراً لمعاوية في ما ارتكب، ويأبى هو إلاّ أن يكون نظيراً ومتبعاً للحبيب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، يطبق سيرته، فعدّ بعضهم سياسته غير رشيدة، ولم تكن هذه الإعتراضات والإنتقادات وليدة زمن محدود، بل واجهت الإمام علياً عليه السلام في حياته، واستمرت إلى يومنا هذا، تجري بألسن الخطباء، وأقلام الكتاب، ومن هذه الإعتراضات:-
• سياسته المالية: وهي التي تتمثل في تسويته بين الناس في العطاء، وتشدده في استرجاع ما نهبه بنو أمية وصنعاؤهم على عهد عثمان، وعدم استرضائه الأشراف بالأموال، وهؤلاء ملكوا الملايين مما استأثروا به أنفسهم، أو وهب لهم بغير حق، مما أفاءه الله تعالى على الفقراء والمحرومين.
• تشدده عليه السلام مع ولاته: لقد كان يختار للولاية ذوي الكفاءة، ومن عرف بالأمانة، والتقوى، والصلاح، ومع ذلك فلم يتركهم لشأنهم، يتصرفون كيفما أرادوا، بل كان يحملهم على التقيد بأسس الدين، وأحكامه، وآدابه، ويحثهم على التقوى، وكان يراقب أعمالهم مراقبة دقيقة مستمرة، فإذا بلغه أنّ أحدهم خالف ذلك، حاسبه على قدر مخالفته، وينال جزاءه بقدر ما تقتضيه مخالفته.
• عدم إشراك طلحة والزبير في الحكم، وقد طلبا منه ذلك قبل خروجهما عليه، ونكثاً ببيعته، وزعماً أنّهما إنما بايعاه على أن يشركهما في الحكم، ولكنه عليه السلام لم يولِّ أحداً منهما، لما كان يعرفه من طمعهما بالولاية، وعدم اطمئنانه إلى أنهما سيتورعان في التصرف بشؤونهما.
فلامجال للمقارنة بين الإمام علي عليه السلام وبين معاوية لأنّ كلاً منهما كان يتّخذ نهجاً يغاير نهج الآخر، ويعاكسه، والفرق بينهما هو الفرق بين الحق والباطل، فهما متباينان، وقد صدق الإمام علي عليه السلام في ما تحدث به عن نفسه، وشهد له محبوه، ومبغضوه – على حدّ سواء – بالتقوى، واتباع النهج الإسلامي، ولم يكسب المبطلون سوى الخسران، لأنهم لم ينالوا خيراً في دنياهم التي جهدوا أنفسهم لعمارتها على حساب دينهم، كما خسروا الآخرة، بما ارتكبوا من الآثام، وذلك هو الخسران المبين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى