الحشد الشعبي بين واقع المعارك و معادلة التسييس

هادي بدر الكعبي
لقد تشكل الحشد الشعبي ضمن إطار المقاومة الوطنية كاستحقاق مشروع تعلق بالدفاع عن النفس والحفاظ على سيادة الدولة التي انتهكت من قبل تنظيم داعش الإرهابي. فهو السور الآمين والسد العظيم وصمام الامان الذي حفظ البلد والدولة والحكومة والعملية السياسية برمتها. وكما هو معلوم أن هذا الوجود المبارك قد خاض معركة طاحنة وصاخبة بصوت الرصاص والقذائف ضد داعش ومقاتليه،وهو اليوم يخوض معركة أخرى لا تقل أهمية وخطورة عن تلك التي خاضها مع قوى الإرهاب من (٢٠١٤) إلى (٢٠١٧) ومعركة اليوم يخوضها على عدة جبهات التي تريد النيل منه ومن وجوده ومنجزاته،نتيجة الإنجازات التي تحققت من قبله،والتي تتعارض مع مشاريع القوى والأطراف الرافضة له. ومن تلك الجهات التي تقف بالضد مع هذه المؤسسة،هي:-
أولا: (الجهات الخارجية): والتي تتمثل بـ: أ- الإقليمية: وخاصة لدول الجوار والمنطقة ومنها السعودية والإمارات وغيرهما،إذ ترى السعودية في الحشد الشعبي قوة صاعدة انضمت إلى محور المقاومة الذي تقاتله في اليمن ولبنان وتحاصره في البحرين. أما الإمارات فقد لعبت دورا سلبيا اتجاه الحشد الشعبي من خلال اتهامه بأنه يمثل جماعات إرهابية وليست قوة حكومية تعمل ضمن إطار القوى الأمنية العراقية، وغيرها من الاتهامات الموجهة ضد الحشد الشعبي. وهذه الاتهامات كما هو معلوم تحمل جنبات سياسية لمصالح دول وقوى محلية كمحاولة لتفكيك مشروعية المقاومة الوطنية للحشد الشعبي وغيرها من أهداف.
ب- الدولية: وخصوصا أمريكا التي ترى فيه المهدد لمصالحها ومخططاتها في العراق وقد عبرت عن ذلك في أكثر من مناسبة عن هذا التوجه تجاه الحشد الشعبي.
ثانيا: (الجهات الداخلية) والتي تتمثل بـ:
أ- القوى السنية الرافضة لوجوده في المناطق السنية والتي تدعو إلى إخراجه من تلك المناطق التي تعد الحاضنة الفكرية والبشرية للقوى الإرهابية،لكي يمكن فيما بعد إعادة ترتيب الأجنحة الإرهابية المسلحة كورقة ضغط على الحكومة مستقبلا في اي خلاف سياسي أو غيره يحدث في البلاد.
ب- الاحزاب الكردية الانفصالية التي تسعى لدفع الحشد خارج حساب المعادلات،لأن الحشد كان القوة الأساسية التي أسقطت مشروع الانفصال الكردي.
ج- القوى والشخصيات المحسوبة على الشيعة،وتلك القوى والشخصيات قد اعتادت اللعب بأوراق الصفقات والتنازلات. وقد كان الحشد الشعبي في خلاف معها طوال المدة الماضية،تظهر مؤشراته بين الحين والآخر في بعض التفاصيل. وكان آخرها الأنباء التي تحدثت عن انسحاب الحشد من بعض المدن والمناطق،مما آثار موجة من التساؤلات حول أسباب ذلك الانسحاب. الاخوة في قيادات الحشد الشعبي اخبروا عن إجراء الانسحاب بأنه لا يتعدى كونه إعادة تموضع وانتشار فرضه الواقع الجديد بعد عمليات التحرير. وان عملية إعادة الانتشار هذه تأتي استجابة وتفاعلا مع خطط العمليات المشتركة وتوجيهات القائد العام للقوات المسلحة، وهو إثبات لمرجعية هذه القوات ودليل التزامها وانضباطها الشديد. اذن قرار الانسحاب لا يعدو إلا أن يكون إجراءً تكتيكياً جاء لإخلاء المدن لطارئ متوقع أو لربما لتنفيذ إستراتيجية وخطة جديدة لا أكثر.
٢- أرادت قيادات الحشد الشعبي الحفاظ على قوة الحشد وإعادة هندسته حسب طبيعة الظروف الحالية التي يمر بها البلاد.
٣- المحافظة على سمعة الحشد الشعبي في الأوساط السياسية،وخصوصا من تلك الجهات السياسية التي تتحين الفرص لايكال التهم الباطلة تجاه الحشد.
٤- المحافظة عليه من اللجان الدولية التي تعمل الآن على تسجيل جرائم داعش،من مغبة استغلال إحدى فقرات عملها بتوجيه الاتهامات إليه بارتكاب انتهاكات بحق السنة في المناطق السنية. ولكن قرار الانسحاب جوبه بقرارات حكومية أراد القائم على إصدارها تحقيق جملة من الرسائل والأهداف، وهي:-
١- تمكنت الجهات المعطلة لقرار الانسحاب من تسويق قرار الانسحاب بأنه تهديد إلى القوى السنية لتخفيف الضغط في سباق التحالفات لتشكيل الحكومة المقبلة، وكذلك لإحراج الحكومة خصوصا في ظل ضعف قدرات القوات الأمنية و وجود المشاكل العشائرية في تلك المناطق التي يراد الانسحاب منها مما يهدد بعودة الفوضى إليه وبالتالي إلى عموما البلاد.
٢- الكشف عن قوة القرار الحكومي وعدم ضعفه،وأن الحكومة مازالت مسيطرة على الحشد الشعبي وان القرارات الاستراتيجية بيد الحكومة لا بيد غيرها من الجهات، وبذلك أوصل رئيس الحكومة رسالته بأهليته لممارسة دور القائد العام للقوات المسلحة.
٣- العبادي أدرك أهمية الحشد الشعبي واعتبره احدى الاوراق المهمة في الوقت الراهن لذلك عمد إلى إلغاء قرار الانسحاب لكي يتم استخدامها في سباق الولاية الثانية التي يطمح إليها بقوة.
٤- الاستفادة من إصدار قرار الانسحاب في هذا الوقت بإيصال رسالة إلى هيأة الحشد بأنكم ضمن التشكيلات الأمنية للحكومة العراقية ولا يحق لكم إصدار اي قرار أو القيام بأي تصرف دون الرجوع إلى المراتب العليا في الحكومة العراقية.
واستطاعت بعض الجيوش الإلكترونية التابعة لجهة تعطل القرار تسويق قرار الانسحاب الصادر بأنه استهداف للفصائل المرتبطة بالعتبات المقدسة وفي ذلك مغازلة لكسب ودها وكأن الخطوة جاءت لغرض السيطرة الكاملة على جميع القوات وتحريكها على وفق أجندة معينة.



