النسخة الرقميةثقافية

مــرافــئُ في ذاكرة يحيـى السماوي

لطيف عبد سالم

46

إذا كان «الوطن» بالاستنادِ إلى رؤيةِ الكاتبِ وَالطبيب الأمريكي أوليفر وندل هولمز (1809 – 1894) الَّذِي نال الشهرة بفضلِ مقالاته وَقصائده، فضلاً عَنْ قيامِه بالتدريسِ فِي مدرسةِ هارفارد الطبية خلال سنوات أعظم نجاح أدبي لَه، هو «المكان الذي نحبه، فهو المكان الذي قد تغادره أقدامنا لكن قلوبنا تظل فيه»، فإنَّ شرايينَ السَماوي يحيى مَا تَزال موصولة بترابِ العراق وَرافديه، فضلاً عَنْ أَنَّ روحَه ـ الَّتِي علاجها بحسبِه القرب مِن الأحبةِ الرائعين ـ تواقة للظفرِ بظلالِ نخيله، حيث يشير إلى ذلك بالقول: «إنّ قرويةَ عراقية أو عربية في كفّها رائحة الحنّاء أجمل عندي من شقراواتِ الدنيا وسمراواتها.. وأنّ خيمة أغفو فيها بأمان في السَماوة، أحبّ الى نفسي من الإغفاءةِ في قصرٍ تطاردني فيه الكوابيس». وَيمكن الجزم بأنَّ هَذَا الحس الوطني أكثر تأثيراً فِي نفسِ المتلقي مِنْ مضمونِ مقولة الكاتب وَالفيلسوف الفرنسي فولتير (1694 – 1778) الَّتِي مفادها «خبز وطنك افضل من بسكويت اجنبي».
حـمـلــتُ أمــيـرتـي والـلــيــلُ سِــــرٌّ
وعُــدتُ بـركـبـهــا والصّـبـحُ جَـهْــرُ
دخـلــتُ بـهــا مـن الــبــلـدانِ شــتّـى
فـأرضٌ طــيــنُـهــا مِـــسْـــكٌ وتِــبْــرُّ
وأرضٌ مـــاؤهــــا لـــبَـــنٌ وراحٌ
وأرضٌ شـــوكُـهـــا تِــيــنٌ وتــمْــرُ
وأرضٌ ســـورُهـــا قــمـحٌ ونـخــلٌ
وأرضٌ رمْــلُــهــا بــالــمـاءِ غــمْــرُ
وبــانــتْ دُرّةٌ مــن شِــــقِّ زيــقٍ
فـأخـفـاهــا عـن الـعــيـنـيــن شَــعْــرُ
كــأنّ الــنـهـــدَ فــاتــنــةٌ خـجـــولٌ
وأنّ قـمــيــصَـهــا الــشــفّــافَ خِـدْرُ
وجــيــدٌ لا أرقّ .. خـشــيـتُ هُــدبـي
ســيـجـرحُهُ .. ومـثـلُ الـجـيـدِ نـحْـرُ
أيُـطبِـقُ جـفـنـهُ في الـرّوضِ نـحْـلٌ
إذا نــادى عـلــيــه شـــذاً وزهْــــرُ؟
فُـضِحْـتُ فـلـيس ليْ في الحـبِ أمْــرٌ
عـلى قـلـبي ولا في الـشـوقِ صَـبـرُ
يوم كان شعبنا يعيش فِي دهاليزِ الدكتاتورية وَأروقة أنفاقها المظلمة، لَمْ يكن السَماوي الفتى فِي معزلٍ عَنْ قضايا وَطنه السِّياسِيِّة، فالحسّ الوَطَنِيّ لَديه لَمْ يكن وَليد المنفى؛ إذ أنَّ تاريخه يحفل منذ فتوته بالكثيرِ مِنْ المواقفِ الوَطَنيّة الَّتِي عكست انحيازه إلى قضيةِ وَطنه وَشعبه، وَالَّتِي عززت بدورِها استعداده لمواجهةِ النظام الشمولي فِي الانتفاضةِ الشَعْبِيٍّة. وَقد يَبْدُو مِن المناسبِ هُنَا وَالمهم أيضاً العودة إلى الماضي البعيد لاستذكارِ مَا أتيح لنا مِنْ تلك المواقف، وَالَّتِي مِنْ بَيْنَها مَا كتبه الروائي سلام إبراهيم عَنْ زيارةٍ قام بِها فِي النصفِ الثاني مِنْ سبعينياتِ القرن الماضي إلى السِماوةِ بصحبةِ آخرين مِنْ أجلِ لقاء السَماوي يحيى بعد فراقهما فِي أعقابِ إكمال دراستهما الجامعية وسوقهما لأداءِ الخدمة الإلزامية، وَالَّتِي يصف مجريات إحدى جلساتها بالقول « كان اللقاء حافلاً، كلام عن الثورة والأفق المسدود في العلاقة مع البعث. لا أدري كيف أنقضى الوقت، لكن كان ليل السماوة الصحراوي وحكايات النضال فيها، فقطار الموت في 1963 الذي أعده البعثيون لقتل أكبر عدد ممكن من الشيوعيين توقف فيها لينقذ أهلها من بقي حيا، وسجن نقرة السلمان البعيد في عمق الصحراء وقصصه كلها فيها، وحسن سريع الذي قاد انتفاضة معسكر الرشيد على أنقلابيي 8 شباط 1963 من أهلها، كنا نطوف ليلتها في التاريخ، في الحماسة، في الرغبة بتغيير العالم وخلق مجتمعٍ حرٍ سعيد، ليلتها بكينا أنا ويحيى بحرقة، جعلت من جلسائنا يسخرون من عواطفنا وهشاشتنا كما وصفونا ضاحكين». وَلا رَيْبَ أَنَّ ندبةً عميقة وَجروحاً مؤلمة تركتها تلك الأيام فِي روحِ السَماوي يحيى وَأرواح أبناء شعبه، وَالَّتِي وَصفها ذات مهجر بالقول: «أن تشعرَ بالغربةِ وأنت في وطنك بين أهلك وناسك، ذلك هو الاغتراب»، مضيفاً أيضاً «أو بعبارة أبي حيان التوحيدي هذا غريب لم يتزحزح عن مسقط رأسه، ولم يفارق مهب أنفاسه، وأغرب الغرباء من كان غريباً في وطنه». وَعَنْ هَذَا الاغتراب الموجع الَّذِي فجر عذابات لا تنتهي فِي قصائدِه الشِعرية، يشير السَماوي فِي مناسبةٍ أخرى بالقول: «تلك كانت حال كثير من المثقفين في عالمنا العربي قديماً وحديثاً، ولعل أبا ذر الغفاري واحد من أبرزِ النماذج على اغتراب المثقف». وَعندما يمتزج ألم تلك المعاناة وَمشاعرها الحزينة بعذوبةِ المعنى وَسحر الكلمة، وَالَّتِي ساهمت بمجملِها فِي حضورِ إِبْداعه الأدبي وَتسيّده عَلَى المنابرِ الثقافيَّة وَالفكرية، فَمِن البديهي أَنْ يجدَ منجز السَماوي الأدبي برموزه الَّتِي لها سطوتها وَقصائده الشِعرية البارعة، صدى عند الآخرين، وتجاوباً وَمشاركة لِهَذِه المعاناة. وَلعلَّ مَا كتبته الأديبة العراقية دلال محمود حول أحد أنشطة السَماوي الأدبية يعكس مَا أشرنا إليه آنفاً، حيث كتب محمود مَا نصه «يحيى السماوي شاعرنا وكاتبنا الجليل، انها مذكرات رغم مرارتها، تحس أن هناك شيئا ما جميلا يأخذك بعيداً – حيث لا تعلم – ليطوف بك في سني عمرك التي ذهبت هباءاً وفي غفلة من الزمن وكأنها باتت حلما». وَأظنُ أَنَّ الروائيَ وَالكاتب المسرحي الفرنسي أونوريه دي بلزاك (1799 – 1850) الَّذِي يُعَدُّ مِنْ روادِ الأدب الفرنسي فِي القرنِ التاسع عشر وَتحديداً المدة الَّتِي أعقبت سقوط نابليون، سيكون بحاجة إلى تعديلِ قوله «الألم لا نهائي، أما الفرح فمحدود»، وجعله مقتصراً عَلَى عبارة «الألم لا نهائي» فِي حالِ اطلاعه عَلَى مآسي الشعب العراقي، وَالَّتِي يَبْدُو أنَّ لا نهاية لها، فالألم وَالحزن وَالمعاناة مَا تَزال ظواهر مستدامة فِي حياةِ أهل العراق.
يُـحَـرّضـني الـجّـمـالُ عـلى وقـاري
فـأنـسـى أنــنـي فــي الــنـاسِ سِـــرُّ
تــفــرُّ إلــيَّ مــنـي فــرْطَ ذُعْـــرٍ
فــيــغـــدو لـــذّةً عـــذراءَ ذعــــــرُ
وتُـغـوي روضـةُ الـشـفـتـيـن ثغـري
كـمـا يُـغـوي شِــبـاكَ الـصّـيْـدِ بَـحـرُ
وأثـمَـلــنـي رحــيــقٌ مـن زفــيــرٍ
كـأنّ شـمـيـمَــهُ لـلـعِـطـرِ عِــطــرُ!
نـشــقْــتُ لـهـاثـهــا لــمّــا تـراخـتْ
فـحَـمْـحَـمَ فـي فــمـي لـلـثـمِ مُـهْــرُ
تـدَحْـرَجَ من مَـرايـا الجـيـدِ ثـغـري
وجـاز الـنَّـحْـرَ فـاسْــتـغْــواهُ صـدرُ
لـثمـتُ حـمـامـةً وشـمَـمْـتُ أخـرى
ومَـسَّـدَتِ الحـريـرَ الـبـضَّ عَــشــرُ
سـكرْتُ فـلـسـتُ أدري كيف فـرّتْ
كعـصـفـورٍ يـدي والـعـشُّ خـصْـرُ
نـسَـجْـتُ لـهـا مـن الـقُـبُلاتِ ثـوبـاً
وقــد نــام الــظــلامُ وقــام فــجْـــرُ
أمِــثـــلُ أمـــيــرتــي روحٌ وراحٌ
ومـثـلُ رضــابـهــا شـهــدٌ وخـمــرُ؟
غـزوتُ ورودَهـا شــمّــاً ولــثـمــاً
فحـربـي فـي الـهـوى: كـرُّ.. وكـرُّ
أشــبُّ صَـبـابـةً.. وتـشـبُّ مــثـلـي
ويُـطـفِـئ جـمـرَنـا الـوحـشـيَّ جـمْـرُ
عَـلِــقــتُ بـهــا وأدري أنَّ حَــظّـي
بـلا حَـظٍّ.. وأنَّ الـحَــتـمَ خُــسْـــرُ
إذا ضحِـك الـهـوى لـيْ بعـضَ يـومٍ
فــإنَّ بُــكـاءَهُ الــصُّــوفـيَّ دَهْــــرُ
فــيــا تــفّـاحَ «آدمَ» لا تـلـمــنــي
إذا امْــتــدتْ يــدايَ وجُــنَّ ثـغـــرُ

لـ»آدمَ» عُـذرُهُ.. وأنـا لــثـغــري
وجـوعِ يَــدي ولــلأحــداقِ عُــذرُ
منذُ يفاعته، التحق السَماوي يحيى بحركةِ اليسار العراقي، وانصهرت طموحاته الوَطَنيّة وَالإنسانيَّة فِي بوتقةِ آمالِ الوطنيين الحالمين بغدٍ جديد، وَعراق معافى يسوده العدل وَالبناء وَالنماء وَالرخاء، فكان أنْ اختبرت «وطنيته» فِي أقبيةِ سجون الشرف؛ إذ لطالمَا اعتقل وَعُذِّب وَفصل مِنْ وَظيفته وَطورد، فضلاً عَنْ تحميل أهله الاضطهاد بسبب مواقفه الوَطَنيّة الَّتِي فرضت عَلَيه مواجهة السلطة. وَيصف السَماوي هَذه المعاناة بقولِه: «ما هذا بجديدٍ في وطن كانت قراءة كتابٍ فكريٍّ من كتب لينين أو يوسف سلمان يوسف أو محمد باقر الصدر جريمةً تقود الى أقربِ حبل مشنقة أو ساحة إعدام». ولعلَّ مِنْ بَيْنَ الكثير مِمَا تعرض له السَماوي، ومَا يزال يؤرقه – رُبَّما لشعوره بالذنبِ تجاه مَا سببه لِمعلمه الأول فِي الحياة – هو أنْ يُصفعَ أبوه أمامه حين زاره فِي مركزِ شرطة الحي الجمهوري بمدينةِ السَماوة يوم أوقف فِيه عَلَى خلفيةِ مقال نشره فِي صحيفةِ «طريق الشعب» البغدادية الَّتِي كان ضمن كادرها فِي وقتٍ كان مَا يسمى بالجبهة الوَطَنيّة فِيه قائمة. وَالمذهلُ فِي الأمرِ أَنَّ فحوى ذلك المقال لم تكن سِّياسِيِّة بقدر مَا هي وَطَنيّة تُشيرُ إلى خطأ يجب تلافيه درءاً لمفسدة، حيث أَنَّ السَماوي وسم مقاله آنفاَ باسْمِ «مدينة للألعاب في السماوة»، وَالَّذِي تضمن الكشف عَنْ أنَّ تلك المدينة مَا هي إلا مدينة قمار تُدير فيه طاولات القمار نادلات مصريات شبه عاريات وليست مدينة ألعاب». وَليس مِنْ شك أَنَّ السَماوي يحيى الَّذِي يعبّر عَنْ فجيعةِ شعبه بقولِه: «في ظل أنظمة مجرمة كنظام القائد الضرورة، يكون الأبرياء متهمين ببراءتهم»، ليس سهلاً عَلَيه نسيان تلك الحادثة المُحزنة بفعلِ مَا أفضت إليه مِنْ تعريضِ والده الإنْسَانٍ البريء إلى الظلمِ وَالتعسف، حيث مَا تَزال حاضرة فِي ذاكرته الَّتِي لَمْ يبقَ فِي أروقتِها فسحة متناهية الصغر بوسعِها تحمل المزيد مِن الألم، بَيْدَ أنَّ مَا تركه بِه ذلك الجمر، عزَّزَ آماله فِي الخلاصِ مِنْ حكمِ الاستبداد وبراثن الدكتاتورية، حيث يقول السَماوي بِهَذَا الصدد مَا نصه: «أما ما الذي تركه بي ذلك الجمر، فإنه قد زاد من نضجِ وصلابة طين إرادتي تماماً كما يُنضجُ جمرُ التنّور عجين الخبز».
لـسـتُ بـالـمُـشْـرِكِ بـالـلـهِ
فـأشْــرِكْ
بـهـواكِ الـفـرْدِ..
قـلـبـي فـي الـهـوى يُـؤمِـنُ بـالـتّـوحـيـدِ ..
لا ثـمَّـةَ فـي مِـشـكـاةِ أحـداقـي
سـوى
مـصـبـاحِـكِ الـحـقِّ ..
ولا ثـمّـةَ فـي هـودجِ قـلـبـي
ظـبـيـةٌ أخـرى ..
حـمـدتُ اللهَ أنْ أسْـقـطـني العِـشـقُ
بـبـئـرِكْ
فـإذا الـذئـبُ غـزالٌ ..
والـدُّجـى نـورٌ ..
وطيـنُ الـبـئـرِ ريـحـانٌ وآسٌ
فـتـهـجّـدْتُ لأبـقـى كـلّ عـمـري
رهْـنَ أسْـرِكْ

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى