في ذكرى إستشهاده..إضاءات من حياة الإمام الباقر «عليه السلام»
كان الباقر محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام بين اخوته خليفة أبيه علي بن الحسن عليه السلام، ووصيه والقائم بالإمامة من بعده وبرز على جماعتهم بالفضل في العلم والزهد والسؤدد وكان اكثرهم ذكرا واجلهم في العامة والخاصة واعظمهم قدرا ولم يظهر عن احد من ولد الحسن والحسين (سلام الله عليهما) من علم الدين والآثار والسنة وعلم القرآن والسيرة وفنون الاداب، ما ظهر عن ابي جعفر عليه السلام..وبدأ يتلقّى علومه على يد أبيه ونشأ وترعرع في ظلال ابيه الامام زين العابدن يحيا حياته في الزهد والعبادة والعرفان ويعيش آلامه ومأسيه،لقد توفرت في شخصية الإمام أبي جعفر عليه السلام جميع الصفات الكريمة التي أهّلته لزعامة هذه الأمة، حيث تميّز هذا الإمام العظيم بمواهبه الروحية والعقلية العظيمة وفضائله النفسية والأخلاقية السامية ممّا جعل صورته صورة متميّزة من بين العظماء والمصلحين، كما تميّز بحسبه الوضّاح، بكل ما يمكن أن يسمو به هذا الانسان. وكان الإمام محمّد بن علي الباقر عليه السلام جامعاً للكمالات الانسانية في سيرته وسلوكه، فكان أهلاً للإمامة الكبرى بعد أبيه زين العابدين (سلام الله عليه)،لقد عاني الإمام الباقر (سلام الله عليه) من ظلم الأمويين منذ ان ولد وحتى استشهد، ما عدا مدة قصيرة جدا هي مدة خلافة عمر بن عبد العزيز التي ناهزت السنتين والنصف. فعاصر أشد ادوار الظلم الأموي، ولقد ادرك في صباه مجزرة كربلاء الدامية وتجسدت بين عينيه اشباح مجازرها الرهيبة. كما أشرف على أفول هذا التيار الجاهلي وتجرّع من غصص الآلام ما ينفرد به مثله وعيا وعظمة وكمالا. لقد عاش الإمام محمد الباقر(سلام الله عليه) طيلة حياته في المدينة المنورة يفيض من علمه على الامة المسلمة، ويرعى شؤون الجماعة الصالحة، مقدما لها كل مقومات تكاملها واسباب رشدها وسموها،وكان عصر الإمام الباقر عليه السلام، من أدقّ العصور الإسلامية، وأكثرها حساسيةً، فقد نشأت فيه الكثير من الفرق الإسلاميّة، وتصارعت فيه الأحزاب السياسيّة، كما عمت الناس ردّة قوية إلى الجاهلية وأمراضها، فعادوا إلى الفخر بالآباء والأنساب، ممّا أثار العصبيّات القبلية وعادت الصراعات القبلية إلى الظهور، وهذا ما شجّع عليه حكام بني أميّة، كما انتشرت مظاهر التّرف واللهو والغناء، والثراء الفاحش غير المشروع،وتصدّى الإمام عليه السلام لكلّ هذه الانحرافات، فأقام مجالس الوعظ والإرشاد، كي يحفظ لدين جدّه نقاءه وصفاءه. كما تصدّى عليه السلام للفرق المنحرفة، فاهتمّ برعاية مدرسة «أهل البيت». والتفّ حول الإمام الباقر علماء كثيرون، نهلوا من صافي علومه ومعارفه في الفقه والعقيدة والتفسير وعلوم الكلام،ان دراسة حياة الباقر(سلام الله عليه) تكشف لنا، أنَّ مرحلته كانت من أشدِّ المراحل التي مرّت على العالم الإسلاميّ آنذاك، وهي مرحلة انتقال الخلافة من الأمويين إلى العباسيّين، والتي عاش فيها المسلمون صراعاً عنيفاً انتهى بسقوط العهد الأمويّ وبداية العهد العباسيّ، والإمام الباقر(سلام الله عليه) هو الذي استطاع أن يغني الواقع الإسلاميّ في العمق والامتداد، ذلك أنَّ الظروف السياسيّة، كانت بين وقت وآخر تضغط على هذا الإمام أو ذاك، فتمنعه من أن يبلّغ رسالته كاملةً غير منقوصة، بفعل الاضطهاد الجسدي والمعنوي ومصادرة الحريّات وما إلى ذلك، ما منع بعض الأئمة من أن يزيدوا في عطائهم الإسلامي في ما يتضمنه الإسلام من عقائد وقضايا ومفاهيم ومناهج ووسائل وأهداف، فلقد كانت مشكلتهم مع أكثر من حاكم في تلك المراحل، هي أنَّ هؤلاء الحاكمين كانوا يعرفون ما يملكه أئمة أهل البيت(عليهم السلام) من غنى الفكر والروح والحركة مما لو اطّلع الناس عليه لأقبلوا عليهم كما يُقبل الظامئ على الماء،وعندما لم تحقق المضايقة الاموية غاياتها الدنيئة ضد الامام الباقر(سلام الله عليه) عن النهوض بمهامه الرسالية العظمی فقد رأت السياسة المنحرفة انه ليس لها عن اغتياله من بديل.وهکذا دس اليه السم بوساطة إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك بامر من هشام بن عبد الملك فرحل إلی ربه الأعلی سبحانه شهيدا صابرا محتسبا يوم الاثنين السابع من ذي الحجّة سنة 114 هجريّة على المشهور، وعمره الشريف يومذاك سبعة وخمسون عاماً، فدُفن في البقيع بالمدينة خلف أبيه زين العابدين وعمّ أبيه الحسن بن عليّ عليهم صلوات الله أجمعين.



