النسخة الرقمية

الإمامة في القرآن

ورد ذکر الإمامة و الائمّة في موارد متعددة في القرآن الکريم و کلّها ترجع الى ذات المعنى اللغوي، و هو إنّه عندما ينجذب فريق من البشر الى فرد ما يتخذونه مثالاً و نموذجاً و قائدا لهم، فهم يترسمون خطاه و يسيرون في خطّه، بغض النظر عن حقيقته واتجاهه..قال تعالى:﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ﴾..وقال تعالى:﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴾..وقال سبحانه:﴿ … فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ ﴾..و ربّما يصبح الکتاب إماما ً هاديا ً کما نرى ذلك في قوله تعالى:﴿ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَامًا وَرَحْمَةً … ﴾ و يستفاد من الآيات القرآنية انّ کلّ مجموعة بشرية سواء کانت على حقّ أم باطل تتبع فرداً و تتخذه قدوة تتمثل سيرته و فکره و رؤاه، فإنّه يعدّ إماما ً لها، و ستحشر معه يوم القيامة، فإن کان محسنا ً قاد قومه الى الجنّة، و ان کان مسيئا ً هوى بنفسه و باتباعه الى قرار الجحيم. قال تعالى:﴿ يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَٰئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا * وَمَنْ كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا ﴾..ولقد کان الأنبياء وعلي امتداد التاريخ أئمة صالحين، و کان زعماء الکفر و رؤوس الاستکبار أئمة طالحين، و ستستمر هذه الظاهرة الى يوم الدين، مع التأکيد ان إمامة المتقين والصالحين لن تکون نصيب المنحرفين عن التقوي والصلاح و کانوا ظالمين. ان احراز مقام الإمامة يتطلّب استعداداً ذاتياً و صفاءاً روحياّ عالياّ، إذ لا يمکن أن تکون نصيب کلّ من هب و دبّ. ولم ينلها إبراهيم (عليه السلام) إلّا بعد أن رأى ببصيرته ملکوت السموات و الأرض، و سما الى مرتبة اليقين، و لقد ابتلاه الله بنار النمرود ثم بذبح ابنه إسماعيل و امتحانات اخرى اجتازها الخليل بنجاح حتي أصبح أهلا ً للإمامة فنصّبه الله لها.ان الآية تشيرالي ان مقام الإمامة شأن إبراهيم و کانت أسمى من النبوّة لأنّها جاءت متأخرة عن النبوّة بل في شيخوخته. ان سيّدنا إبراهيم نال درجة الإمامة بعد أن کان نبيّاً و کان مبلّغاً للوحي والشريعة و أحکام الله ثم اختاره الله إماما ً. ومن هنا نفهم ان مقام الإمامة للناس هي هداية خاصّة تختلف عن هداية الأنبياء.ان الإمامة عهد إلهي يثبت بالنص، و هي ليست من خيارات البشر وآرائهم. فالإمامة درجة رفيعة تتطلب صلاحاً و أهلية و قابلية ذاتية. فمن أراد أن يکون إماماً، يتوجب عليه أن يطوي مراحل من الخلوص الروحي و الصفاء النفسي. والآية الکريمة تنطوي على إشارتين حول هذا الموضوع:الأوّلى: ان احراز الإمامة يتطلب صبرا ً عظيما و ثباتا ً کبيرا ً في مواجهة المحن و الإبتلاءات الإلهية، و التحلي بأقصي درجات ضبط النفس و الاستقامة الکاملة في الحياة و في کل الظروف..والثانية: إنّها تتطلب يقينا ً عالياً و ايمانا ً عميقا ً تندمج فيه عوالم الشهادة بالغيب فتتفتح البصيرة لترى کما يرى البصر الأشياء، وهو ما عبّرت عنه الآية الکريمة:﴿وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى