النسخة الرقمية

مراتب العبادات

إن الناس لا يستوون في فهم العبادة بل يختلفون في ذلك، فهي عند بعضهم نوع من المعاملة والمعاوضة التي يقع بها التبادل بين العمل والأجر عليه، فهو يعطي العمل وسوف يتسلم الأجرة عليه، وكما يصرف العامل طاقته العملية لصاحب العمل فيأخذ منه الأجرة على ذلك، كذلك يتعب العابد أيضاً بعبادته إذ يركع فيها ويسجد ويقوم ويقعد، ومن الطبيعي أن يطلب على ذلك أجراً سيجده في عالم الآخرة. وكما تنحصر فائدة العمل للعامل في تلك الأجرة التي يأخذها من صاحب العمل، فإذا لم يكن هناك أجرة ذهبت أتعابه سدى، كذلك فائدة العبادة – عند هؤلاء – هي تلك الأجرة التي يُعطاها العابد في عالم الآخرة في بضاعات وسلع مادية!وأما أن صاحب العمل إنما يعطي الأجرة عوضاً عما يستفيده من عمل العامل، فما الذي يستفيده صاحب الأمر في العالم (وهو الله) من عمل العبد – هذا الضعيف الذليل؟ – وعلى فرض أن يكون عطاء الأجر على العبادة تفضلاً منه وكرماً، فلماذا لا يُعطاه بدون أن يصرف مقداراً من طاقاته في عبادته سبحانه؟ فهذا ممّا لا تفكر فيه هذه الطائفة من العابدين! إذ العبادة – عند هؤلاء – نفس هذه الأعمال البدنية والحركات الظاهرية التي تتبدى بصورة محسوسة من اللسان وسائر أعضاء البدن في الإنسان!هذا هو نوع من التصور الجاهل للعبادة عند العوام، وهو – كما يقول ابن سينا في النمط التاسع من كتابه الإشارات – ناشئ عن عدم المعرفة بالله، وإنما تقبل عبادة بهذا التصور من عوام الناس القاصرين فقط.والتصور الآخر عن العبادة هو تصور العارفين بالله.وفي هذا التصور لا يوجد عامل وصاحب عمل وأجرة كما بين العمال وأصحاب العمل، بل لا يمكن أن يوجد. بل العبادة – عند هؤلاء – قربان الإنسان ومعراجه وتعاليمه وصعوده إلى مشارق أنوار الوجود، وهي تربية روحية ورياضة للقوى الإنسانية، وهي ساحة انتصار الروح على البدن، وأسمى مظاهر شكر الإنسان لمبدئ الخلقة ومعيدها، وهي مظهر حب الإنسان للكامل المطلق والجميل على الإطلاق، وهي مسيرة الإنسانية إلى الكمال اللانهائي.وفي هذا التصور عن العبادة نجد أن للعبادة جسماً وروحاً، ظاهراً ومعنى، فما يتحقق منها باللسان وسائر الأعضاء هو ظاهر العبادة وجسمها، وأما معنى العبادة وروحها فهو شيء آخر، وهو يرتبط بما يفهمه العابد من عبادته وبنوعية تصوره عن العبادة، وبالباعث له على العبادة، وبما يحظى به من عمل العبادة، وبما يتقدم به من العبادة إلى الله، ويتقرب بها إليه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى