النسخة الرقميةثقافية

زائر

فرحات جنيدي ـ مصر

 

عيناه معلقتان في السماء تنهمر منهما الدموع، يخرج منه صوت مبحوح مجروح غارق بالأسى، ينطق بالشهادتين، لفظ أنفاسه الأخيرة تحت قبة المسجد الكبير، كانت اللحظات الأخيرة التي سمعت فيها أنفاسه الأخيرة أشبه بلحظات وداع المسافر وإن كان وداعا مؤلما.
توقفنا على أول الطريق وأشار بيده نحو ميدان القرية الصغير وقال بصوت مجروح: انظر ما زال حبر الذاكرة ينبض بأبهى الأيام، هنا كنا نلعب فى التراب وبجوار تلك الشجرة العجوز كانت حنفية المياه، كنا نأخذ وقتنا فى اللعب والمرح وننتظر النساء والسقا حتى ينتهى من ملء الماء ونذهب جماعة نستحم أسفل الحنفية ويأتى حارس الحنفية فيجري خلفنا ويضربنا، منا من يجري وقد أخذ ملابسه، ومنا من يهرب كما ولدته أمه، وينتظر خلف المقابر حتى ينصرف حارس الحنفية ويترك الملابس فوق صندوق الحنفية.
هل تعلم أن بلدنا رغم كل ما فيه هو آية من آيات الله لعبيده تعلمك أن تدرك قيمة العمر الذي تضيعه عبثاً، وأن تستشعر أهمية كل يوم تعيشه وكل لحظة تمر. وهأنا أمامك، ثلاثون عامًا وأنا غائب عنها واليوم أراها كما هي لم يتغير بها شيء سوى النخل الشامخ أبو جريد أخضر الذى كانت الطيور والصقور تتراقص عليه ويطير معهم في السماء، مالت عيدانه وانحنى, غير ذلك لم يتغير شىء, ربنا رزقنا أننا ولدنا هنا في حضن الجبل العالي و نحن وبيوتنا وقبورنا في حضنه، وتدور علينا الأيام ونشيّع بعضنا وتكون قبورنا بجوار بيوتنا، قبور واقفة مثل حكم الكرة في النصف بيننا وبين الجبل.
صمت ثم توقف وارتسمت على وجهه علامات التعجب والاستفهام وقال باستغراب شديد: أين بيتى وبيت أبى؟ أين ذكرياتى ومهدي؟
وضعت يدى على كتفه وقلت: لا تفقد صبرك، فالأشياء الجميلة تأتي بعد صبر جميل.
قاطعنا صوت المؤذن وهو يرفع النداء الأول لصلاة الجمعة، ثم إلتفت نحوي وأمسك بذراعي وقال: أين أنا؟
إبتسمت في وجهه وقلت: أنت في المكان الذي تحبه، أنت بين أهلك وناسك، أنت في الطريق إلى بيتك.
لكن البيت كان هنا!
لقد غضب الجبل علينا وضاق صدره بأفعالنا فأدمع دمعة فكانت سيلا عظيما أخذ كل شيء في طريقه، ما زلت أتذكر صوت بكاء الأطفال وصرخات النساء وصوت نبرت جدك وهو يضربه في الأرض ويصرخ في الناس يطالبهم بالتوبة من صعوبة ما حدث، كان يظن أن الله أعلن قيام القيامة، السيل كان هائجاً مثل الوحش الجوعان شال البيوت والقبور من أساسها، كان يجري حاملاً على ظهره شباباً وأطفالاً وعجائز وطيوراً وحيوانات وعظام الميتين، الكل غرقان في حضنه وهو غضبان هائج رافض أن يهدأ و جدُّك يصرخ في الناس بالتوبة.
يعني بيتي وذكرياتي ومهد طفولتي راحت، ولم يتبق لنا أثر في البلد. إن العاصفة تستطيع وبسهولة إغراق السفينة وتقتل من فيها لكنها لا تستطيع فك عقدة واحدة من الحبل الذي يربطها وهكذا فعل السيل، دمر البيوت وقتل الأحباب وغيّر الأماكن لكنّه لم يستطع أن يمحو ذكرياتنا، أما البيت فما زال لك بيت، فالحكومة أعطت كل واحد خيمة وطلبوا من جدك أن يسجل أسماء الناس المتضررين، ومنذ هذا اليوم أصبح لكل واحد بيت صغير، تقدر تقول أنه خراب جاء بعمار مصائب قوم عند قوم، وأنت ايضا لك بيت لوحدك، جدك كان يعلم أنك سترجع ولن تعيش طول عمرك في الغربة مثل أبيك.
توقفنا ونظرات الحزن تملأ عينيه وقال بصوت متقطع: أهذه هي البيوت الجديدة؟
قلت: نعم, انظر نحن أصبحنا من الأعيان نسكن بيوتا من الاسمنت والطوب الأحمر.
ضحك ساخرا وقال: نعم نعم بيوت من الأسمنت، وأين ذهبت مقابر الآباء والأجداد التي كانت هنا؟
تمَّ جمعها ووضعها بقبر واحد, هذه هي حكمة القدر عاشوا في شتات وصراع والسيل غسلهم مع بعضهم ودفنهم مع بعض، تجمعوا ثانية بعدما فرقتهم الدنيا ومن بعدها الموت.
مُدَّ، مُدَّ الخطواتِ حتى نلحق بصلاة الجمعة، مُدّ.
آه يا بلد وألف آه، البيت صار موقفاً وسوقاً, والقبر صار بيتاً تُولد فيه كل يوم روح جديدة, همومك يا دنيا زادت على قلبي والصدمات صارت مثل علبة المناديل، كل ما تسحب منديلاً يجرُّ آخر خلفه.
دمعت عيناه وضعفت خطواته، فحمدت الله أننا وصلنا المسجد حتى يستريح جسدنا وتصفى أنفسنا مع الصلاة, انتهت الصلاة فظل جالسا في مكانه حتى فرغ علينا المسجد، فنظرت إليه فوجدته ما زال شاردا حزينا عيناه معلقتان في سماء المسجد, اقتربت منه فارتمى في حضني ونظر نحو قبة المسجد والدموع منهمرة تجري كالسيل وبصوت مبحوح مجروح غارق بالأسى ينطق الشهادتين يلفظ أنفاسه الأخيرة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى