اخر الأخبارثقافية

“اغتصاب العقل” غسل الأدمغة للسيطرة على العالم

في كتابه “اغتصاب العقل” “دار صفحة سبعة للنشر” يُصوّر الباحث والطبيب الهولندي جوست موريتس ميرلو (1903-1976)مصطلحات الغزو الذهني والسلب العقلي على أنها مرادفاتٌ معاصرة تتجسد من خلال غسل الأدمغة وتشويه العقول بشكل متعمد، وهي في الوقت ذاته تصويرٌ فعلي للطرق التي يمكن من خلالها انتهاك سلامة الإنسان.
وهكذا فإن منحَ ممارسةٍ ما أو سلوكٍ متعمّد اسمه الصحيح يمكّننا لاحقاً من التعرف إليه بسهولة أكبر. ومع ذلك، فإن هذا الاعتراف يبقى مجرد فرصة للتصحيح المنهجي لمثل تلك السلوكيات الإجرامية، إذ تدور في الكتاب مناقشات هامة حول بعض المخاطر التي تهدد مسألة التفاعل الثقافي الحر، إذ يؤكد الباحث الآثار الثقافية لموضوع الاقتحام العقلي القسري. لذلك، فإن التقنيات المصطنعة للإكراه ليست مهمة فقط، بل إن ما يثير هو التدخل غير المزعج في سلوكياتنا وأفكارنا، وهو ما يدفع إلى مقارنة خطر “تدمير الروح” بخطر “الدمار المادي الكلي”.
وفي الواقع، فإن الأمرين متشابكان إلى بعضهما البعض، فما الذي يدفع مجموعة من الآباء إلى الفرح لمقتل أبنائهم فداء لأيديولوجيا معينة؟ ولماذا نثني على من يشجع على الموت لأجل غايات سياسية؟ تلك الأفكار الشمولية التي يساعد على تمكينها كل من الإعلام ورجال الدين، تقود الجموع لمنعها من المساءلة أو الثورة على المسببات التي تدفع إلى الموت أو الظلم وتحويلهم، بالتالي إلى جماعات من الضحايا.
ويعدّ تصوير العقل البشري بوصفه “آلة استجابةٍ أتوماتيكية” موضوعاً اهتم فيه الباحثون والمفكرون. وهذا التحولُ أمكن، ولا يزال يمكن، تحقيقهُ من خلال بعض الثورات الثقافية في المجتمعات، وكذلك من خلال التجارب سواء لأجل غايات سياسية أو أيديولوجية على حد السواء.
لذا، فإن موضوع اغتصاب العقل أو ما يسمى بالقهر العقلي يعتبر من بين أقدم الجرائم في تاريخ الحضارة الإنسانية، ولربما تعود بداياته إلى أيام ما قبل التاريخ حين اكتشف الإنسان، ولأول مرة، أنه يستطيع استغلال الصفات الإنسانية لأجل التعاطف والتفاهم، ولغاية ممارسة السلطة على إخوانه من البشر. هكذا يساعد الفكر الشمولي… على دفع صديقٍ لكتابة تقرير يودي بحياة صديقه أو نجد جاراً يُرضي زعيماً عبر دفع أقاربه إلى الجحيم. والسؤال هنا هو: كيف يساهم الإعلام في اغتصاب العقول؟ والواقع إن السلطة الشمولية بحاجة إلى إعلام من نوع متملق يساير اتجاهها الفكري؛ أي يصدق الأكاذيب ويكذّب الحقائق. ومنه تستمد تلك السلطة اتجاهاً يسير في مصلحة الحاكم، ويتوجه بسمومه إلى عامة الشعب، الأمر الذي يقود إلى مجموعة من المتملقين مثلما يصفهم وزير الدعاية الألماني جوزيف غوبلز (1897-1945) في قوله: “أعطني إعلاماً بلا ضمير أعطك شعباً بلا وعي”، وهو ما يدفع إلى تزييف الوعي والمبالغة في إظهار إنجازات السلطة، وتحويل الهزائم إلى انتصارات لغاية اغتصاب العقول وتسهيل قيادتها.
ويعتقد ميرلو أنه من خلال الضغط على نقاط الضعف في التكوين الإنساني يمكن للوسائل الشمولية أن تحوّل أي شخص إلى خائن. ويحاول في الوقت ذاته أن يطبق عملية التحول الغريبة التي تطرأ على عقل الإنسان الحر لتصبح آلة استجابة. فالجستابو مثلاً؛ اتبع أساليب التعذيب للإجبار على خيانة الأصدقاء. وقد انتشرت أخبارٌ عن إعطاء ألمانيا طياريها الكوكايين لاستخدامه في حال شعروا بالإرهاق في أثناء القتال، وذلك لغاية تنشيط الجسد وتقليل الشعور بالألم، لكنه في الوقت ذاته وسيلة تصيب العقل بالتبلد وتسهّل خداعه. وعلى مر التاريخ كان لدى البشر فهمٌ حدسيٌّ بإمكانية التلاعب بالعقل سواء عبر طقوس من النشوة أو الأقنعة المرعبة والضوضاء الصاخبة. وقد استخدمت تلك الأساليب لترغم الحشود على القبول بمعتقدات قادتهم. حتى وإن قاوم شخص عادي في البداية، فإن التنويم المغناطيسي يحطم إرادته تدريجياً.

يقول ميرلو: “إن الإنسان كان مبدعاً في تطوير وسائل تلحق الأذى بأخيه الإنسان، وبشغف هائل اخترع تقنيات تبعث الألم في أضعف أجزاء الجسد”. وإلى جانب إبادة العقل كجريمة قديمة، إلا أنها مؤخراً اتخذت شكلاً منهجياً، إذ أصبحت نظاماً متماسكاً للتدخل النفسي والانحراف القضائي. وبات للمستبد القوي إمكانية لأن يطبع أفكاره الانتهازية الخاصة في أذهان من يخطط لاستغلالهم وتدميرهم. وفي النهاية يجد الضحايا المروَعون أنفسهم مجبرين على التعبير عن الانصياع التام لرغبات الديكتاتور. وكثيراً ما يشار إلى براعة الشموليين في إثارة الشعور بالذنب الخفي. وعلى الرغم من كون الشمولي يهاجم تماهي الأفراد مع قادتهم بالتقليل من شأنهم؛ فإن في ذلك استغلالاً للسمة النقدية الخفية بداخل كل إنسان تجاه كل القادة.
وفي بعض الأحيان يستخدمون استراتيجية الملل لإغراء الناس بالنوم. وقد يرغبون في جعل العالم الغربي مثلاً يدخل في حالة من التنويم تحت تأثير وهم التعايش السلمي؛ بحيث إن كل استراتيجية سياسية تهدف إلى إثارة الخوف والشك، وتميل إلى عزل الشخص غير الآمن إلى أن يستسلم لتلك القوى التي تبدو له أقوى من أصدقائه السابقين. لذا فإن ميرلو يقول: “لأن من يمتلكون أفضل الاستراتيجيات اللفظية وأقواها في خضم معارك الجدال يميلون إلى الفوز”. ينظم الشموليون تدريبات جدلية لئلا يخرج الخاضعون لهم أفضل ما لديهم. كما يحاولون فعل الشيء نفسه مع بقية العالم بطريقة أقل تطفلاً. لذا لا بد من التعلم ومعرفة كيفية مواجهة وابل الكلمات المنهكة بتدريب أفضل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى