ثقافة التضحية والهوية الرسالية في العراق

السيد هاشم أمير الهاشمي..
ليس من السهل فهم العراق المعاصر من خلال السياسة وحدها، ولا من خلال الاقتصاد وحده، ولا حتى من خلال تأريخ الصراعات التي مرّت عليه. فثمة عنصر أعمق من ذلك كلّه، عنصرٌ يسكن في وجدان الناس قبل أن يظهر في مواقفهم، ويتغلغل في ذاكرتهم الدينية والاجتماعية قبل أن ينعكس في لحظات الشدة والمواجهة، وهو ثقافة التضحية المتولدة من الوعي الحسيني والانتساب إلى مدرسة أهل البيت عليهم السلام. هذه الثقافة لم تبقَ في العراق مجرد طقسٍ عزائي أو حنينٍ وجداني إلى التأريخ، بل تحوّلت، في كثير من المحطات، إلى طاقة نفسية واجتماعية صنعت الصمود، وأعادت شدّ المجتمع إلى معاني الواجب حين كان مهددًا بالتفكك أو الانهيار.
حين نتأمل في طبيعة المجتمع العراقي، ولا سيما في بيئته الشيعية، نجد أن العلاقة بأهل البيت عليهم السلام ليست علاقة رمزية هامشية، بل هي جزء من البنية العميقة للهوية. فالعراقي لا يزور كربلاء والنجف والكاظمية وسامراء بوصفها معالم دينية فحسب، بل يدخل إليها بوصفها امتدادًا لذاته، ويقرأ تأريخه الشخصي والجمعي من خلالها. ولهذا السبب، حين واجه العراق محطات قاسية، من القمع والاستبداد، إلى الإرهاب والاقتتال والانهيار الأمني، لم يكن رجوع قطاعات واسعة من الناس إلى خطاب التضحية والصبر والوفاء رجوعًا عاطفيًا طارئًا، بل عودةً إلى المخزون التأسيسي الذي تشكل عبر القرون في ظل الشعائر الحسينية، والمجالس، والزيارات، وسِيَر الشهداء والأبرار.
وفي هذا المعنى، تبدو روايات أهل البيت عليهم السلام عن الشهادة والصبر والجهاد وحفظ الدين أكثر من نصوص أخلاقية؛ إنها أدوات لبناء النفس، وصناعة المعنى، ورفع الإنسان من مستوى الخوف على الجسد إلى مستوى المسؤولية عن الرسالة. روي عن أمير المؤمنين عليه السلام: «أكرمُ الموت القتل»، وروي عنه أيضًا: «إنّ الجهاد بابٌ من أبواب الجنة فتحه الله لخاصّة أوليائه». هذه النصوص لم تُقرأ في البيئة الشيعية العراقية كأقوال تأريخية بعيدة، بل عاشت في ضمير الناس حتى أصبحت جزءًا من تفسيرهم للحياة والمحنة والواجب.
من كربلاء إلى العراق المعاصر: كيف يتحول الرمز إلى بنية نفسية؟
كربلاء في الوجدان الشيعي العراقي ليست حادثةً ماضية، بل نموذجٌ دائم لإعادة تعريف الكرامة. فالإمام الحسين عليه السلام لم يترك لأتباعه مجرد قصة بطولة، بل ترك معيارًا تتحدد به قيمة الحياة نفسها؛ فالحياة مع الذل ليست حياة، والموت مع الحق ليس فناءً. ومن هنا كان قوله عليه السلام: «إنّي لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برما» قاعدةً نفسية وأخلاقية هائلة التأثير. هذه العبارة بالذات تفسر لنا جانبًا مهمًا من السلوك الشيعي العراقي في أزمنة الخطر، إذ تجعل الإنسان قادرًا على إعادة ترتيب أولوياته: لا يعود معيار النجاة هو مجرد البقاء البيولوجي، بل الثبات على الحق وصون المقدسات والناس والكرامة.
الزيارة الحسينية بوصفها مدرسة اجتماعية لا مجرد شعيرة
من الخطأ الكبير أن يُتعامل مع المشهد الحسيني في العراق، وخصوصًا الزيارات المليونية، بوصفه تعبيرًا عاطفيًا فقط. فزيارة الأربعين مثلًا ليست مجرد حشد بشري ضخم، بل أحد أكبر المختبرات الاجتماعية الحية في العالم الإسلامي. تقديرات الأعداد في بعض السنوات تجاوزت عشرين مليون زائر بين عراقيين ووافدين، وهو رقم، حتى مع اختلاف طرق الإحصاء، يكفي للدلالة على حجم الظاهرة. لكن الأهم من العدد هو ما يجري داخله: ملايين الوجبات توزع مجانًا، آلاف المواكب تخدم دون مقابل، بيوت تُفتح للغرباء، شباب يتركون أعمالهم ليخدموا، عوائل تنفق من قوتها، فقراء يُصرّون على المشاركة ولو بالقليل، وأناس يسيرون مئات الكيلومترات وفي أذهانهم أنهم يسيرون إلى الحسين عليه السلام لا إلى مناسبة اجتماعية عابرة.
هذا المشهد يقدم مثالًا دقيقًا على أن الهوية الشيعية العراقية تنتج طاقة اجتماعية هائلة حين تكون متصلة برمزها المؤسس. ففي الأربعين، تتراجع الفوارق الطبقية، ويخفّ حضور التنافس الفردي، وتظهر أخلاق الخدمة والإيثار والانضباط الشعبي على نطاق واسع. ولعل هذا ما جعل باحثين أجانب، ومؤسسات دولية معنية بالحشود، تنظر إلى الزيارة بوصفها ظاهرة فريدة في التنظيم الأهلي العفوي. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: كيف يستطيع مجتمع يعاني أزمات خدمية ومؤسساتية أن يدير هذا الحجم من الحركة والخدمة والإنفاق الشعبي؟ الجواب مرة أخرى ليس إداريًا فقط، بل ديني وجداني؛ لأن الحسين عليه السلام في الوعي الشيعي ليس اسمًا تأريخيًا، بل مركز استنفار أخلاقي يجعل الناس يتصرفون بمنطق غير نفعي.
ومن هنا تأتي الأهمية الاجتماعية العميقة للشعائر: فهي لا تحفظ الذاكرة فحسب، بل تعيد تدريب المجتمع كل عام على البذل والانضباط والخدمة والتواضع وكسر الأنانية. وهذا بحد ذاته مورد عراقي هائل لو أُحسن استثماره في مشاريع أوسع: رعاية الفقراء، معالجة الأيتام، دعم التعليم، ترميم البيوت، رعاية عوائل الشهداء، وتحصين الشباب من المخدرات والتفكك والانحراف.



