مــرافــئُ في ذاكرة يحيـى السماوي

لطيف عبد سالم
43
مَا أثارني أيضاً فِي الحديثِ عَن الموضوعِ المذكور آنفاً، هو مَا تناوله الكثير مِن الأدباءِ وَالباحثين وَالنقاد عَنْ تجربةِ إنسان وظف مداد قلمه فِي البحثِ عَنْ وطنٍ يضم مَا بَيْنَ جنباته أوجاعنا، فالسَماوي مَا يَزال عرضة لأرقٍ مزمن، لازمه منذ أول قافلة صفعات و» جلاليق « أناخها ملاكمو أمن البلدة فِي واحاتِ جسده الغض عام 1971م. وَمِنْ بَيْنَ صور الحزن وَالأسى الَّتِي علقت بذاكرةٍ السَماوي يحيى، مَا أكدته القاصة العراقية سنية عبد عون رشو عَنْ أوجاعِ تلك الحقبة بالقول : « الشاعر الكبير يحيى السماوي، تلك الايام كانت غيمة مطارة وانقشعت ..أمطرت علينا وابلاً من الحروب والخوف والرعب حتى من اللا شيء، هذا ما أراه دائما في الاحلام «. وَفِي دراسته الموسومة « يحيى السماوي بين العدمية و الآيروتيك «، يقول الشاعر وَالناقد العراقي هاتف بشبوش مَا نصه : « يحيى السماوي شاعرٌ ومناضلٌ ورمزٌ لصبانا الثّوري في السبعينيات، لما لاقاه من مطاردةٍ وتشريد وتعذيب في زمن البعث المجرم حتّى أصبح اسماً تتناقله الألسن منذ ذلك الوقت «. وَفِي مداخلةٍ عَلَى صفحاتِ أحد المواقع الإلكترونية، يشير الشاعر والإعلامي العراقي عبد الحميد الصائح الذي عمل جنباً إلى جنب مع السَماوي يحيى فِي إذاعةِ « صوت الشعب العراقي « إلى شاعرنا السَماوي بالقول : « سيدي وصديقي الشاعر والمناضل الكبير يحيى السماوي اقسم بالله على شجاعتك وأبايع وطنيتك العالية، فأنت شاهد عصر باسل، وانت صوت الشعب قبل ان يعرف الشعب انك كنت تنسج امله بالحرية .. نعم يا شاعر الشعب، كانوا يترددون في قول الحق في إذاعتنا .. وهم اليوم يتصدرون لوائح الجهاد المزورة .. تبّت أيديهم وهم الى ضلالةٍ سائرون .. دمت اخاً مبدعاً كبيرا، يحيى السماوي يا صديقي الجميل، إنها حقا قسمة ضيزى : للأباطرةِ الأوغاد النفط، وللصعاليكِ الطيبين الدخان والسخام «.
الأسـى أمـسُـكِ ..
والـحـاضِـرُ نـاعـورُ ضـنـى ..
أطـفـأ الرعـبُ الـقـنـاديـلَ
وألـقـى بالـفـراشـاتِ
عـلى أرصـفـةِ الصـبـحِ ..
وفـرَّتْ من فـضـاءاتِ الـبـسـاتـيـن ِ
العـصـافـيـرُ ..
الـنـهـاراتُ اسـتـحـالتْ دُجَـنـا ..
وأنـا مـثـلـكِ :
تـابـوتٌ
بـهِ يـرقـدُ جُـثـمـانُ الـمُـنى ..
أشْــبَـكَ الـدربُ
ولا بعضُ سـنـا ..
زمـنٌ بـاتَ بـهِ الشـوكُ
يُـعـيـبُ السَّـوسَـنـا ..
تـصـرخُ الـمـسْـغـبـةُ الانَ
بـنـا :
هـزُلَ الـخـبـزُ
وجـوعـي سَـمُـنـا ..
مـثـلـكِ الانَ
أُسَـمِّـي غـربـتي أهلاً
وجُـرحـي وطـنـا ..
كلُّـنـا أصبحَ « هابـيـلَ « و « قـابـيـلَ «
ترى
أيّهُما كان أنـا ؟
يمكن الجزم بأنَّ مضامينَ الكثير مِنْ نصوصِ السَماوي الشِعْريَّة تُعَدُّ انعكاساً للأحداثِ وَالمُشْكِلات وَالقضايا الَّتِي مرت بِها بلادنا، بالإضافةِ إلَى همومِ اليوم، فالشعب الَّذِي اكتوى لسنواتٍ طويلة بنيرانِ القصف وَالحروب الَّتِي اغتالت براءة الطُفولة وَهشمت مقومات الكرامة الإنسانيَّة، مَا يَزال يعيش معاناة حقيقية بكلِّ مَا تحمل الكلمة مِنْ معنى؛ نتيجة السياسات الخاطئة الَّتِي أسس لها المحتل الأمريكي بعد الزلزال السياسي فِي المنطقة. وَيمكن القول إنَّ السَماويَ الَّذِي يُعَدّ الوطن جنته وَقلبه النابض عَلَى يقينٍ مِنْ أنَّ مئاتَ آلاف العراقيين عاشوا المعاناة بشكلٍ وَآخر، حيث يشير إلى ذلك بالقول : « … وبسبب هذه المعاناة، فإن العراقيين يبدؤون الشيخوخة ربما قبل وصولهم سنّ العشرين من العمر، فالعراق تحول في ظل نظام صدام حسين إلى تابوت على هيأة وطن … لا أعتقد أن التاريخ سيشهد ساديّا مثله … كان يتلذذ برؤية الدم … ولعله الرئيس الوحيد في العالم الذي كان يأمر جلاديه بتصوير ضحاياه وهم يُعذبون وتقطع أوصالهم «. وَمِنْ المؤكّـدِ أنَّ تلك البشاعة تُعَدّ انتكاسة للإنسانيَّة، بالإضافةِ إلَى مَا تعكسه الأنظمة الدكتاتورية مِنْ نهجٍ يقوم عَلَى استبدالِ آليات التشبث بالسلطة – وَالسعي بجميعِ السُّبُل مِنْ أجلِ ديمومتها – بحبِ الوطن ومَا يمليه مِنْ ضرورةِ الإيفاء بتأمينِ حاجاتِ الشعب، فالحبَ عاطفة جياشة وَشعور ليس بوسعِ الكلمات أنْ تَوضحَ رسوخه فِي الضميرِ وَالوجدان؛ إذ يُعَدّ بوصفِه حالة مِن الرُّقِي فِي أسمى أوجهها، فالإنْسَان قد يفوق أفعال الوحوش فِي حالِ تجرده مِنْ ثيابِ الإنسانيَّة وَنبذه لمشاعرِ المحبة وَالتسامح، وَكما يصف تلك الحالة الشاعر الإنجليزي جون كيتس ( 1795 – 1821 ) الَّذِي هوجمت أعماله خلال حياته القصيرة مِنْ نقاد الدوريات فِي ذلك العهد، إلا أنَّه أصبحَ بعد وفاته واحداً مِنْ شعراءِ الحركة الرومانتيكية الإنجليزية المهمين فِي مطلعِ القرن التاسع عشر بقوله : « الحب استمرارية ونقاء، والكراهية موت وشقاء «. ولا أعرف كيف قفز إلى خاطري مَا قرأته قبل أعوام طويلة عَمَا يبهر مِنْ سلوكِ أحد الحيوانات، وَالَّذِي يمكن تلخيصه بأنَّ أنثى « السنجاب « عندما تجد رضيع سنجاب آخر، فإنها تقدم له الطعام وَتنتظر ثلاثة أيام قصد التحرّي وَالتأكد مِنْ أنَّه مِنْ دُونِ أهل، وحينئذ تأخذه وَتطعمه وَتجعله يعيش مَعَهَا وَمَعَ صغارها وكأنَّه أحد أطفالها.
***
لا تـقـولـي إنَّ جـرحَ الـيـومِ
يـشـفـى فـي غـدِ
كلُّـهـمْ أقـسَـمَ
أنْ يـحـرسَ بـيـتَ الـمـالِ
باسـمِ الأحـدِ :
سـادِنُ المـحـرابِ ..
والـنـاطـورُ ..
ربُّ الـدَرَكِ الـسِـرّيِّ ..
قـاضـي الـعـدلِ والشَّـرْعِ ..
إمـامُ المـسْـجِـدِ..
فـلـمـاذا ازدادتِ الــفـاقـةُ
واسْـتـشـرى وبـاءُ الـفَـسَـدِ ؟
ولـمـاذا
كـلَّـمـا يُـوعِـدُ بـالـخـبـزِ
أمـيـرُ المـؤمـنـيـنَ
ازدادَ جـوعُ الـبـلـدِ ؟
***
أيـهـا الـقـلـبُ الـذي
ثـلـثـاهُ مـن مـاءِ الـفـراتـيـنِ
وثـلـثٌ من رمـاد الـنـخـلِ
أو طـيـنِ الـبـلـدْ :
طـعـنـةٌ أخـرى
وتـشـفـى
مـن عـذابـات الـجـسـدْ
***
ألـفُ « أنـكـيـدو « بـدارِ الـعَـجَـزةْ !!
مـا الـذي يُـغـويـهِ بـالـرمـحِ
ولا ثـمّـةَ « كلكامشُ «
يـأتـيـه بـ « عـشـبِ الـمُـعـجـزةْ « ؟
ذات فجر بغدادي دنسته خيول المحتل، هاتفت السَماوي يحيى مستغلاً فرق التوقيت مَا بَيْنَ العراق وبلاد الكنغارو، بعد أنْ اختمرَ فِي ذهني سؤال استنتجته مِنْ عبارةٍ قرأتها فِي روايةِ وزير الثقافة الفلسطيني الأسبق الكاتب وَالروائي يحيى يخلف الموسومة راكب الريح، وَالَّتِي نصها « يرحل الغزاة والمكان لا يرحل. يرحل الطغاة والحكمة لا ترحل «، فأجابني السَماوي بكلماتِ أملٍ مشوبة بألمِ الغربة : « قبل نحو ساعتين وبضع آهات، سألت نفسي الأمّارة بالحرية : هل عجزت الأمهات العراقيات اللائي أنجبن شعلان أبو الجون وَعبد الكريم قاسم وَمحمد باقر الصدر وَسلام عادل وَحسن سريع وَأمثالهم، عَن إنجابِ حفيدٍ لأبي ذر الغفاري يعلّم الجياع كيف يقضمون الآلهة التمر، أو سبارتكوس جديد يحرّض العبيد عَلَى الوقوفِ منتصبين ليتساقط مِنْ عَلَى ظهورِهم الأباطرة ؟ «، فازددتُ يقيناً بصدقِ مقولة الشاعر وَالكاتب وَالرسام اللبناني جبران خليل جبران : « ليس بوسعِ أحد أن يبلغَ الفجر مِنْ دُونِ المرور بطريقِ الظلام».



