النسخة الرقميةثقافية
المرأةُ والاغترابُ في قصص الكاتبة المغربية «فاتحة مُرشيد»

د. وليد جاسم الزبيدي
تطوي صفحاتِها بعد عناءِ الروايةِ، للولوج في مسالك فنٍّ آخرَ لا يقلّ مشقةً عن سابقيه (الشعرُ، والرّوايةُ)، ألا وهو (القصّة) تتحفُنا -الدكتورة فاتحة مُرشيد – باصدارٍ مميّزٍ معطّرٍ بأريجٍ يحبّرُ بياضَ الورقِ بمجموعةٍ قصصية بعنوان (لأنّ الحُبّ لا يكفي) الصادرةُ عن المركز الثقافي للكتاب، للنشر والتوزيع، الدار البيضاء – المغرب، الطبعة الأولى سنة 7102 م. وصدرَ الكتاب باللّغتين العربية والانكليزية، فكانت الانجليزية من إنجاز الاستاذ نور الدين زويتني.الوجه الخامس للمرأة/ المهاجرة:
في قصة (لأنّ الحُبّ لا يكفي/ ص69- 74) تكتبُ الكاتبةُ في هذا الهمّ والحُلمِ الهمّ الذي يتصوّرهُ البعض سحراً وخلاصاً عمّا يعيشهُ الانسان العربي من قهر وجور في بلدهِ، فتأخذُهُ مخيلته لعوالم الفردوس، في هجرةٍ من النار الى الجنّة، إمرأةٌ أرادت أن يكونَ النهارُ للعِلمِ والدراسةِ، والليلُ علم الشغل ، المرأةُ التي تقولُ: عالمُها في دولة المهجر (سويسرا) مغربيةُ الولادةِ والنشأةِ، ارتبطتْ برجل من بلاد الرافدين، هو بصورة أخرى، الرّاقصُ بالكلمات ـ شاعر-، يساري تقدّمي، أخبرتْهُ حبيبته الراقصة، منذ البدء وكاشفتهُ بأن الرّقصَ حياتها ولا تتخلى عنهُ، وأجابها: (فداكِ أنا وفدى حياتك- ص69)، لكنّهُ وبعد مرور الأيام والشهور، أخذت الغيرةُ والشّكُ يدبان في عقله وبدنه، هو الإرثُ الشرقي، بين أفكارهِ التي جعلتهُ يتفق معها على حب الفنّ وعدم معارضتهِ لعملها في (كباريه الشّرق) بقوله: (أنا المبدعُ كيفَ أحاسبُكِ على عشقِكِ للفنّ؟ هكذا أقنعتُكِ وأقنعتُ نفسي التي كانت مهيّأة للإقتناعِ بأي شيء من شأنهِ أن يربطني بك./ ص 70)؛ وبينَ صورةٍ أخرى لشخصية الشرقي الذي تأكلهُ الغيرةُ والشّك، وتكون الكلمات الصادحةً في سماء القصة:
أكادُ أشكّ في نفسي لأنّي
أكادُ أشكُّ فيكَ وأنتَ منّي
وما أنا بالمصدّقِ فيكَ قولاً
ولكنّي شفيتُ بحُسنِ ضنّي
وكمْ طافتْ عليّ ظلالُ شكٍّ
أقضّتْ مضجعي واستعبدتني
يقولُ النّاسُ إنّكَ خُنتَ عهدي
ولمْ تحفظْ هواي ولمْ تصُنّي
أجِبْني إذْ سألتُكَ هل صحيحٌ
حديثُ النّاسِ خنتَ! أ لمْ تخُنّي
وعن لسان حال (الزوج/ الشاعر- راقص الكلمات)، (قال أحدهم بأنّ «الأدبَ هو الدليل على أن الحياةَ لا تكفي»، وكنتُ أوافقُهُ الرأي حتى التقيتُكِ وأصبحَ الأدبُ لا يكفي.. وحدهُ الحبّ يجعلُ الحياةَ تستحقّ أن تُعاش/ ص73.)؛ (وهأنتِ ترحلين ليصبحَ الحبّ نفسه لا يكفي). هذا الزّوج الذي عاد الى أصلهِ الشرقي رغمَ أنهُ يساري ويعشق الفنّ ويفهم أكثر من غيرهِ ما تعنيه هذه الكلمات، إلا أن الشك والغيرة نخرا عقله وتفكيره، ودعنْهُ في النهاية الى قتل زوجته.
في هذه القصّة، جعلتِ الكاتبةُ الرّاوي هو (الزوج/ راقص الكلمات)، وهو يسردُ قصته عن حياته مع زوجته وكيف تعرّف عليها وكيف عاش معها، ثم معاناته وشكوكه التي أثارتْ فيه أفكار قتلها. ولم تجعل لهما أسماء (الزوج، الزوجة) بل تركت للقارئ هذه المهمة لأنها تعني كل واحد فينا يمكن أن يكون في هذه القصة وكذلك المرأة ممكن أن تكون كل واحدة هي هذه الشخصية.
الوجه السادس للمرأة/ العاجزة:
وجهٌ آخرَ للمرأةِ تضعهُ الكاتبةُ هو وجه المرأةِ العاجزة، في قصة (لأنني أستحقّهُ/ ص77-80)؛ قصّةٌ أخرى بلا أسماء، لم تضع الكاتبة أسماء لأبطالها، تركتهم كمثل بعض القصص السابقة، فهي كأنها تحكي قصّةً تحدثُ لكل امرأةٍ، وتجعل السارد بلسان المرأة، التي تتحدث عن مأساتها وعمّا رأى لها من طبع عادات وتقاليد، بل وأن الكاتبة انزاحتْ الى اصلها الطبي لتتحدث عن الفايروس والمرض مرةً أخرى؛ والعلاج النفسي لإمرأةٍ تريد تغيير نفسها ونفسيتها وواقعها.
لنقرأ ما تقولُ: ( الآخرون يسربون كل أنواعِ السّم من شكٍ وارتياب وأنتَ طفل لتمضي بقية حياتك بعد ذلك في مقاومةِ هذا السّم وفي العثورِ على لقاح للشفاء منه. تُلزمُكَ عبقريةَ باستور لتجدَ لقاحاً كلقاحهِ ضد داءِ الكلب.. اللقاح الوحيد الذي يُستعملُ بعد الإصابةِ بالداءِ لا قبله.. أجلْ، لزمتني حياة بأكملها للعثورِ على لُقاحٍ ضد داء الانسان بعدَ أن تعرّضتْ لكلّ أنواع العض./ ص 77).
إمرأةٌ مريضةٌ ومصابةٌ بهوس (عزّة النّفس، الكرم، الكرامة) العطاء دون مقابل، الولاء المطلق للزوج دون قول كلمة (لا)، تحسّ بعد حين بخطأ حياتها وتصرفها الذي أوقعها بمشاكل كثيرة وسحق شخصيتها وحضورها، وجعلها ماكنةً تتصرفُ بدون أي مقابل، وأن تكون المضحيّةَ الأولى دون أن تأخذ من الآخر أي شيء. تحاولُ تصحيح مسار حياتها حيث تأخذُ جلساتٍ وحصصَ العلاجِ النّفسيّ التي خضعت إليهِ دون عِلمِ زوجها.
لكنّها في نهاية القصّةِ تُثبتُ فشلَها وعجزها عن تغيير حالها بعد كلّ جلسات العلاج النّفسي، وبعد كلّ معاناتها واصرارها على التغيير، حيثُ تنتهي: (كرّرتُ للمرّةِ العاشرةِ نفس المونولوغ أمامَ المرآةِ كمنْ يجهّزُ نفسه لتصريح أمام الملأ، وهي تدهنُ بشرتها بالكريم، الذي أقنعتها كلوديا شيقير عبر الوصلات الاشهارية التلفازية باقتنائهِ، وتحاولُ شحن نفسها بأقصى جرعةٍ من الثّقةِ، قبل أن تسري رجفةُ رعبٍ في أعضائها وهي تسمعُ طرقاتِ زوجِها على الباب. / 80).
الوجه الآخر: المكان،الغربة والحنين:
في قصّةِ (شراك الحنين/ ص83- 88)، يلعبُ المكان دوره كما في قصّة (لأنّ الحب لايكفي /ص69-74)؛ فبعد أن كانت سويسرا في قصّة (لأنّ الحب لا يكفي) تظهر (كندا/ مونتريال) مكاناً آخرَ يلجأ إليه الانسان للهروب نحو حياةٍ أفضل. تواجهنا الكاتبةُ في بداية القصّة بخطابها على لسان الرجل المغترب: ( ثمّةَ كلمات كالسجنِ لا تخرجُ منها إلا بكفالةِ من ذواتنا../ص83). وتقولُ-الكاتبةُ- أيضاً على لسان المغترب: (الحنينُ أقوى من الحب.. قد يموتُ الحبُ ويستمرُ الحنين./ص83).
ويظلّ الصراع المكاني في ذات المغترب: (وحدها البلدانُ الباردةُ تمنحُ فرصَ النجاح.. الشمسُ تذيبُ العقولُ وتبعثُ على الكسل ولهذا السبب بالذات تجدُ كلّ الدول المتقدمة تتمتعُ بجو بارد/ ص 84).
ويقولُ لسان حال المغترب: («مونتريال» إمرأةٌ لم تنجحْ في اغوائي رغمَ جمالها ولا في اقناعي بحبها…لا تزالُ غريمتها «ورززات» تتربعُ على عرش القلب./ ص85).
هذا الرجلُ المغتربُ الذي أشعلَ وقودَ ذاكرتهِ، وتجلببَ كهولةً في غربته، فقدَ زوجتهُ، وتباعدَ أولادَهُ في أمصار متفرقة، وعاشَ على ذكريات عائلة، وعلى أملِ منْ يزورهُ من أبنائهِ، ويكتوي حنيناً لهم ولمدينته الأولى (ورززات).
الخاتمة:
في المجموعة القصصية تواجهُنا الكاتبةُ الدكتورة (فاتحة مُرشيد) بأمورٍ كثيرةٍ نودّ أن نطرحها فيما يأتي:
1. تصدّتِ الكاتبةُ لفنّ جديد بعد تجربة (الشعر والرواية) ألا وهي (القصّة)، دكتورة أطفال تخرجُ من جلدها، لتكونَ طبيبةً وشاعرةً وروائيةً وأخيراً وليس آخراً قاصّةً.
لقد سبقها في هذا التنوّع عدد من العمالقة منهم (ليوناردو دافنشي) صاحب اللوحة الكونية (الموناليزا) الذي عُرفَ بتجاربهِ وبحوثهِ العلمية الصرفة. والكاتب الروسي(تشيخوف) الطبيب والكاتب القصصي والمسرحي. وغيرهم الكثير، بل اذا عُدنا الى التاريخ الإسلامي لوجدنا أغلب علماء المسلمين موسوعيين يكتبون ويبحثون في علومٍ مختلفة. إذنْ فلا نستغرب من طبيبة أطفال أن تغورَ وتُبدعَ في فنونٍ متنوّعة وتجيدُ بل وتُبدعُ فيها. هذا في الجانب المهني والعملي والفني والأدائي. أمّا من الناحية الفنية والأسلوبية فنلاحظُ أن الفقر الروائي أو القصصي العربي في عموم بلادنا العربية لم يكن فقراً لغوياً أو فنّياً أكثر من كونهِ ضعفاً وخوفاً في مواجهة الذات أولاً ومواجهة المجتمع الذي يعيشهُ –المجتمع العربي المعقّد الذي يعيش ازدواجية التفكير-، والخوف الأكبر في مواجهة العالم في تناول قضايا التي يعيشها الناس ويتأثرون ويعانون منها، وخصوصاً أن منطقتَنا تعيشُ منذُ عقودٍ صراعاً عرقياً ودينياً وعسكرياً واجتماعياً، منطقةٌ في حالة غليان دائم، مقابل عالمٍ يتطوّرُ في سرعةٍ مهولةٍ وحدوثِ طفرات وقفزات في التقدم العلمي التقني، وهو من خلال ذلك يتمكن المبدع الكاتب بكل الفنون أن يتبنى هذه أو تلك من الموضوعات التي تمثّلُ مادّةً دسمةً؛ وهكذا نرى أن الكاتبة (د. فاتحة مُرشيد) يُسجّلُ لها جرأتها في طرح موضوعات الساعة وما تعيشه مجتمعاتنا العربية عموماً وما تعانيه، باسلوبٍ فنّي وحداثةٍ لتنقل واقعنا ليس الى المتلقي العربي فحسب بل الى الانسان في عموم الأرض.
2. تعاملتْ مع بعض قصصها في بنائها وفق شخصيتها الطبية، فكانت الأمراض والفيروسات والعلاج النفسي حاضرين في القصة وشخوصها.
3. أغلبُ القَصص التي كتبتها الكاتبة، جعلتْ الراوي منْ يتحدّث عن نفسه، ولم تضعْ في بعض قصصها أسماء لشخوص قصتها لتترك المتلقي أن يعيش القصة ويكون هو راويها ومحرّك أحداثها.
4. ثماني قصص تحدّثت عن حال المرأة العربية بكل صورها وحالاتها؛ المتقلبة المتنوّعة.
5. أرادتْ أن تقدّمَ للمرأة العربية رسالةً في أن تحرصَ على بناء ذاتها وأن تعتمدَ على ذاتها وأن تتمكن من الاستقلال المادي الاقتصادي أولاً، وأن تستقلّ بقراراتها وألا تكونَ تابعاً للعادات البالية والتقاليد التي تدمّر حياتها، بل وهي رسالة للرجل أيضاً بأن يشعرَ هناك ركناً أساساً في الحياة لا تستقيم سعادته بل ولا وجوده إلا بوجود امرأةٍ قويّةٍ قادرةٍ على اتخاذ القرار.
6. المكان ودوره وأثره في المشاعر والحياة والعمل، حيثُ الصورة في عقل العربي بأن الحياة والعمل والسعادة هي خارج بلده، وأن البلدان الباردة هي التي تتقدم وتتطور، في حين أن أغلبَ العرب الذين هاجروا وتغربوا لم يحصدوا ما كانوا يحلمون بهِ بل عانوا أكثر مما كانوا يعانون في بلدانهم ويظلّ الحنين أقوى من الحُب!
في قصة (لأنّ الحُبّ لا يكفي/ ص69- 74) تكتبُ الكاتبةُ في هذا الهمّ والحُلمِ الهمّ الذي يتصوّرهُ البعض سحراً وخلاصاً عمّا يعيشهُ الانسان العربي من قهر وجور في بلدهِ، فتأخذُهُ مخيلته لعوالم الفردوس، في هجرةٍ من النار الى الجنّة، إمرأةٌ أرادت أن يكونَ النهارُ للعِلمِ والدراسةِ، والليلُ علم الشغل ، المرأةُ التي تقولُ: عالمُها في دولة المهجر (سويسرا) مغربيةُ الولادةِ والنشأةِ، ارتبطتْ برجل من بلاد الرافدين، هو بصورة أخرى، الرّاقصُ بالكلمات ـ شاعر-، يساري تقدّمي، أخبرتْهُ حبيبته الراقصة، منذ البدء وكاشفتهُ بأن الرّقصَ حياتها ولا تتخلى عنهُ، وأجابها: (فداكِ أنا وفدى حياتك- ص69)، لكنّهُ وبعد مرور الأيام والشهور، أخذت الغيرةُ والشّكُ يدبان في عقله وبدنه، هو الإرثُ الشرقي، بين أفكارهِ التي جعلتهُ يتفق معها على حب الفنّ وعدم معارضتهِ لعملها في (كباريه الشّرق) بقوله: (أنا المبدعُ كيفَ أحاسبُكِ على عشقِكِ للفنّ؟ هكذا أقنعتُكِ وأقنعتُ نفسي التي كانت مهيّأة للإقتناعِ بأي شيء من شأنهِ أن يربطني بك./ ص 70)؛ وبينَ صورةٍ أخرى لشخصية الشرقي الذي تأكلهُ الغيرةُ والشّك، وتكون الكلمات الصادحةً في سماء القصة:
أكادُ أشكّ في نفسي لأنّي
أكادُ أشكُّ فيكَ وأنتَ منّي
وما أنا بالمصدّقِ فيكَ قولاً
ولكنّي شفيتُ بحُسنِ ضنّي
وكمْ طافتْ عليّ ظلالُ شكٍّ
أقضّتْ مضجعي واستعبدتني
يقولُ النّاسُ إنّكَ خُنتَ عهدي
ولمْ تحفظْ هواي ولمْ تصُنّي
أجِبْني إذْ سألتُكَ هل صحيحٌ
حديثُ النّاسِ خنتَ! أ لمْ تخُنّي
وعن لسان حال (الزوج/ الشاعر- راقص الكلمات)، (قال أحدهم بأنّ «الأدبَ هو الدليل على أن الحياةَ لا تكفي»، وكنتُ أوافقُهُ الرأي حتى التقيتُكِ وأصبحَ الأدبُ لا يكفي.. وحدهُ الحبّ يجعلُ الحياةَ تستحقّ أن تُعاش/ ص73.)؛ (وهأنتِ ترحلين ليصبحَ الحبّ نفسه لا يكفي). هذا الزّوج الذي عاد الى أصلهِ الشرقي رغمَ أنهُ يساري ويعشق الفنّ ويفهم أكثر من غيرهِ ما تعنيه هذه الكلمات، إلا أن الشك والغيرة نخرا عقله وتفكيره، ودعنْهُ في النهاية الى قتل زوجته.
في هذه القصّة، جعلتِ الكاتبةُ الرّاوي هو (الزوج/ راقص الكلمات)، وهو يسردُ قصته عن حياته مع زوجته وكيف تعرّف عليها وكيف عاش معها، ثم معاناته وشكوكه التي أثارتْ فيه أفكار قتلها. ولم تجعل لهما أسماء (الزوج، الزوجة) بل تركت للقارئ هذه المهمة لأنها تعني كل واحد فينا يمكن أن يكون في هذه القصة وكذلك المرأة ممكن أن تكون كل واحدة هي هذه الشخصية.
الوجه السادس للمرأة/ العاجزة:
وجهٌ آخرَ للمرأةِ تضعهُ الكاتبةُ هو وجه المرأةِ العاجزة، في قصة (لأنني أستحقّهُ/ ص77-80)؛ قصّةٌ أخرى بلا أسماء، لم تضع الكاتبة أسماء لأبطالها، تركتهم كمثل بعض القصص السابقة، فهي كأنها تحكي قصّةً تحدثُ لكل امرأةٍ، وتجعل السارد بلسان المرأة، التي تتحدث عن مأساتها وعمّا رأى لها من طبع عادات وتقاليد، بل وأن الكاتبة انزاحتْ الى اصلها الطبي لتتحدث عن الفايروس والمرض مرةً أخرى؛ والعلاج النفسي لإمرأةٍ تريد تغيير نفسها ونفسيتها وواقعها.
لنقرأ ما تقولُ: ( الآخرون يسربون كل أنواعِ السّم من شكٍ وارتياب وأنتَ طفل لتمضي بقية حياتك بعد ذلك في مقاومةِ هذا السّم وفي العثورِ على لقاح للشفاء منه. تُلزمُكَ عبقريةَ باستور لتجدَ لقاحاً كلقاحهِ ضد داءِ الكلب.. اللقاح الوحيد الذي يُستعملُ بعد الإصابةِ بالداءِ لا قبله.. أجلْ، لزمتني حياة بأكملها للعثورِ على لُقاحٍ ضد داء الانسان بعدَ أن تعرّضتْ لكلّ أنواع العض./ ص 77).
إمرأةٌ مريضةٌ ومصابةٌ بهوس (عزّة النّفس، الكرم، الكرامة) العطاء دون مقابل، الولاء المطلق للزوج دون قول كلمة (لا)، تحسّ بعد حين بخطأ حياتها وتصرفها الذي أوقعها بمشاكل كثيرة وسحق شخصيتها وحضورها، وجعلها ماكنةً تتصرفُ بدون أي مقابل، وأن تكون المضحيّةَ الأولى دون أن تأخذ من الآخر أي شيء. تحاولُ تصحيح مسار حياتها حيث تأخذُ جلساتٍ وحصصَ العلاجِ النّفسيّ التي خضعت إليهِ دون عِلمِ زوجها.
لكنّها في نهاية القصّةِ تُثبتُ فشلَها وعجزها عن تغيير حالها بعد كلّ جلسات العلاج النّفسي، وبعد كلّ معاناتها واصرارها على التغيير، حيثُ تنتهي: (كرّرتُ للمرّةِ العاشرةِ نفس المونولوغ أمامَ المرآةِ كمنْ يجهّزُ نفسه لتصريح أمام الملأ، وهي تدهنُ بشرتها بالكريم، الذي أقنعتها كلوديا شيقير عبر الوصلات الاشهارية التلفازية باقتنائهِ، وتحاولُ شحن نفسها بأقصى جرعةٍ من الثّقةِ، قبل أن تسري رجفةُ رعبٍ في أعضائها وهي تسمعُ طرقاتِ زوجِها على الباب. / 80).
الوجه الآخر: المكان،الغربة والحنين:
في قصّةِ (شراك الحنين/ ص83- 88)، يلعبُ المكان دوره كما في قصّة (لأنّ الحب لايكفي /ص69-74)؛ فبعد أن كانت سويسرا في قصّة (لأنّ الحب لا يكفي) تظهر (كندا/ مونتريال) مكاناً آخرَ يلجأ إليه الانسان للهروب نحو حياةٍ أفضل. تواجهنا الكاتبةُ في بداية القصّة بخطابها على لسان الرجل المغترب: ( ثمّةَ كلمات كالسجنِ لا تخرجُ منها إلا بكفالةِ من ذواتنا../ص83). وتقولُ-الكاتبةُ- أيضاً على لسان المغترب: (الحنينُ أقوى من الحب.. قد يموتُ الحبُ ويستمرُ الحنين./ص83).
ويظلّ الصراع المكاني في ذات المغترب: (وحدها البلدانُ الباردةُ تمنحُ فرصَ النجاح.. الشمسُ تذيبُ العقولُ وتبعثُ على الكسل ولهذا السبب بالذات تجدُ كلّ الدول المتقدمة تتمتعُ بجو بارد/ ص 84).
ويقولُ لسان حال المغترب: («مونتريال» إمرأةٌ لم تنجحْ في اغوائي رغمَ جمالها ولا في اقناعي بحبها…لا تزالُ غريمتها «ورززات» تتربعُ على عرش القلب./ ص85).
هذا الرجلُ المغتربُ الذي أشعلَ وقودَ ذاكرتهِ، وتجلببَ كهولةً في غربته، فقدَ زوجتهُ، وتباعدَ أولادَهُ في أمصار متفرقة، وعاشَ على ذكريات عائلة، وعلى أملِ منْ يزورهُ من أبنائهِ، ويكتوي حنيناً لهم ولمدينته الأولى (ورززات).
الخاتمة:
في المجموعة القصصية تواجهُنا الكاتبةُ الدكتورة (فاتحة مُرشيد) بأمورٍ كثيرةٍ نودّ أن نطرحها فيما يأتي:
1. تصدّتِ الكاتبةُ لفنّ جديد بعد تجربة (الشعر والرواية) ألا وهي (القصّة)، دكتورة أطفال تخرجُ من جلدها، لتكونَ طبيبةً وشاعرةً وروائيةً وأخيراً وليس آخراً قاصّةً.
لقد سبقها في هذا التنوّع عدد من العمالقة منهم (ليوناردو دافنشي) صاحب اللوحة الكونية (الموناليزا) الذي عُرفَ بتجاربهِ وبحوثهِ العلمية الصرفة. والكاتب الروسي(تشيخوف) الطبيب والكاتب القصصي والمسرحي. وغيرهم الكثير، بل اذا عُدنا الى التاريخ الإسلامي لوجدنا أغلب علماء المسلمين موسوعيين يكتبون ويبحثون في علومٍ مختلفة. إذنْ فلا نستغرب من طبيبة أطفال أن تغورَ وتُبدعَ في فنونٍ متنوّعة وتجيدُ بل وتُبدعُ فيها. هذا في الجانب المهني والعملي والفني والأدائي. أمّا من الناحية الفنية والأسلوبية فنلاحظُ أن الفقر الروائي أو القصصي العربي في عموم بلادنا العربية لم يكن فقراً لغوياً أو فنّياً أكثر من كونهِ ضعفاً وخوفاً في مواجهة الذات أولاً ومواجهة المجتمع الذي يعيشهُ –المجتمع العربي المعقّد الذي يعيش ازدواجية التفكير-، والخوف الأكبر في مواجهة العالم في تناول قضايا التي يعيشها الناس ويتأثرون ويعانون منها، وخصوصاً أن منطقتَنا تعيشُ منذُ عقودٍ صراعاً عرقياً ودينياً وعسكرياً واجتماعياً، منطقةٌ في حالة غليان دائم، مقابل عالمٍ يتطوّرُ في سرعةٍ مهولةٍ وحدوثِ طفرات وقفزات في التقدم العلمي التقني، وهو من خلال ذلك يتمكن المبدع الكاتب بكل الفنون أن يتبنى هذه أو تلك من الموضوعات التي تمثّلُ مادّةً دسمةً؛ وهكذا نرى أن الكاتبة (د. فاتحة مُرشيد) يُسجّلُ لها جرأتها في طرح موضوعات الساعة وما تعيشه مجتمعاتنا العربية عموماً وما تعانيه، باسلوبٍ فنّي وحداثةٍ لتنقل واقعنا ليس الى المتلقي العربي فحسب بل الى الانسان في عموم الأرض.
2. تعاملتْ مع بعض قصصها في بنائها وفق شخصيتها الطبية، فكانت الأمراض والفيروسات والعلاج النفسي حاضرين في القصة وشخوصها.
3. أغلبُ القَصص التي كتبتها الكاتبة، جعلتْ الراوي منْ يتحدّث عن نفسه، ولم تضعْ في بعض قصصها أسماء لشخوص قصتها لتترك المتلقي أن يعيش القصة ويكون هو راويها ومحرّك أحداثها.
4. ثماني قصص تحدّثت عن حال المرأة العربية بكل صورها وحالاتها؛ المتقلبة المتنوّعة.
5. أرادتْ أن تقدّمَ للمرأة العربية رسالةً في أن تحرصَ على بناء ذاتها وأن تعتمدَ على ذاتها وأن تتمكن من الاستقلال المادي الاقتصادي أولاً، وأن تستقلّ بقراراتها وألا تكونَ تابعاً للعادات البالية والتقاليد التي تدمّر حياتها، بل وهي رسالة للرجل أيضاً بأن يشعرَ هناك ركناً أساساً في الحياة لا تستقيم سعادته بل ولا وجوده إلا بوجود امرأةٍ قويّةٍ قادرةٍ على اتخاذ القرار.
6. المكان ودوره وأثره في المشاعر والحياة والعمل، حيثُ الصورة في عقل العربي بأن الحياة والعمل والسعادة هي خارج بلده، وأن البلدان الباردة هي التي تتقدم وتتطور، في حين أن أغلبَ العرب الذين هاجروا وتغربوا لم يحصدوا ما كانوا يحلمون بهِ بل عانوا أكثر مما كانوا يعانون في بلدانهم ويظلّ الحنين أقوى من الحُب!



