النسخة الرقمية

المنهاج التربويّ للقرآن الكريم

إنّ جميع الأهداف القرآنيّة أو الغايات الفرديّة والاجتماعيّة، التي أُنزل هذا الكتاب الإلهيّ من أجلها، إنّما تتحقّق في ظلّ السّعي الحثيث لتطبيق القرآن في الحياة. وهذا ما يحصل بعد اكتشاف المنظومة العامّة أو الخطّة الإلهيّة الشاملة التي فصّلها الله فيه.قبل التطبيق الشامل للقرآن، ينبغي التعرّف إلى هذه الخطّة الإلهيّة التي ترتبط بفتح أبواب السماوات في عمليّة بناء جنّة الخلد؛ حيث يكون تبديل الأرض المرحلة الأولى فيها، لأنّ الأرض ستكون عندها مركبة العروج ومادّة التغيير والتحوّل السماويّ. وهذا ما يتطلّب إقامة مجتمع العدالة الشاملة على الأرض أوّلًا؛ الأمر الذي بدوره يتطلّب القضاء على الظلم، بدءا من حكوماته ومؤسّساته السياسية والاجتماعية ومرورا بثقافته وديانته.وفي ظلّ هذا السعي يتكامل الإنسان بواسطة تفاعله مع هذه المحطّات في كلّ مرحلة، حيث تتفعّل طاقاته الكامنة وتخرج استعداداته العظيمة من الكمون إلى التحقّق. فالقرآن هو خارطة الطريق الموصلة إلى الجنّة، بل هو خريطة تصميم الجنّة وهندستها. ولهذا، كانت الجنّة مظهرا تامًّا لآيات القرآن، يريدنا القرآن أن ننخرط في عمليّة الإصلاح العالميّ والسير الكونيّ بعدّ أنّ كل هذه العوالم والمحطّات ليست سوى مراحل تكاملنا. وإنّما كانت مراحل كمال الإنسان، لأنّها في الحقيقة مراتب ظهور العظمة الإلهيّة؛ فهي مراحل معرفة الله والفناء في الله والسير نحو صيرورة الإنسان عبدا محضا يليق لمقام قرب الله ومظهريّته..إنّ اكتشاف جميع تفاصيل هذه الخارطة لا يمكن أن يتحقّق إلّا في ظلّ التبعيّة التامّة لمن كان صنو القرآن وشريكه وثقله الثاني والمتحقّق بنورانيّته والمتّحد بها، الذي لا يمكن أن يفترق عنه أبدا. ولهذا، كان هذا الوليّ الإمام، قائد عمليّة الإصلاح العالميّ؛ وكان الارتباط به شرطًا أساسيًّا لتطبيق القرآن والعمل به والاهتداء بنوره..أجل، إنّ القرآن يهدي للإمام ويدلّ عليه. وهذه هي المرحلة الأولى من مراحل الهداية العامّة التي تشمل كل من يؤمن بأنّه كتابٌ من عند الله، الخالق لكلّ شيء و ربّ العالمين. وكلّما ترسّخ هذا الاعتقاد والإيمان، تأمّنت الأرضية اللازمة لهذه الهداية.ويمكن تحقيق هذا الاعتقاد بوساطة العقل الدال على أنّ كتاب الله ضرورة حتميّة من ضرورات هداية الخالق ولطفه ورحمته. فمن عرف الله بصفاته وأسمائه الحسنى، فسيهتدي إلى الكتاب الذي لا يمكن أن يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه، والذي يبقى حجّة لله على العباد، والذي لا يمكن تحريفه..فإذا استطعنا أن نحلّ مشكلة اللغة القرآنيّة بالتعرّف إلى النظام اللغويّ القرآنيّ البديع، وتجاوز الاعتباط اللغويّ، الذي طغى على مدارس اللغة العربيّة وقواعدها، وتسلّل إلى التفاسير والآراء؛ وأضفنا إلى ذلك عنصر القراءة المتدبّرة المبنيّة على هذا النظام (حيث يفسّر القرآن بعضه بعضا)، فمن المتوقّع أن نتّصل بهذا الإعجاز ويتعمّق الإيمان والشعور بحضور الله تعالى في كتابه، الأمر الذي يُعدّ أوّل مراحل الاتّصال بالعليّ الحكيم.ينبغي أن يقوم المنهاج التعليميّ القرآنيّ على تحقيق هذا الاتّصال وتعميقه. وإنّما يقوى هذا الاتّصال مع ازدياد قوّة الشعور بحضور الله في كتابه؛ الذي السير في مراتب اليقين..ولكي تثمر المرحلة الأولى من هذا الإيمان، لا بدّ أن يتحوّل القرآن الكريم إلى كتاب الشفاء والهداية في كلّ شؤون الحياة. فإذا استطعنا أن نحوّل علاقة الطالب بهذا الكتاب من مجرّد قارئ يسعى لتجاوز مشكلة النحو والتجويد، إلى قارئ يؤمن بأنّ جميع مشاكله الروحيّة والاجتماعيّة والحياتيّة يمكن حلّها بواسطة القرآن، وتحقّقت هذه التجربة وترسّخت، فإنّ شعوره بحضور الله في كتابه سيقوى ويرتقي إلى المستوى الأوّل من الاتّصال. وهكذا يكون المنهاج التربوي القرآنيّ:قائما على قاعدة متينة هي قاعدة الإيمان والاعتقاد،الذي يقوى ويشتدّ بواسطة التجربة المعنويّة،التي تحقّق ذلك الربط والحضور اللازم للآيات في عمليّة اكتشاف تلك المنظومة الفكريّة المؤسِّسة للهندسة القرآنيّة العامّة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى