كتاب «الأربعون حديثًا».. للإمام الخميني «قده»
لقد استطاع هذا الكتاب، الذي هو في الظّاهر شرحٌ لأربعين حديثًا منقولًا عن أهل بيت العصمة والطهارة، أن يكمل ما بدأه الإمام في آداب الصّلاة وفي العديد من كلماته وخطبه ودروسه التي كنّا نتلهّف لمطالعتها والاستماع إليها.ففي آداب الصلاة يؤسّس الإمام لرؤية عميقة حول السّير إلى الله تعالى وما يرتبط بها من مبادئ تميّزها عن غيرها من المدارس.وفي كتاب الأربعون حديثًا تتجلّى مجموعة مهمّة من التفاصيل التي يحتاج إليها السّالك في مرحلة تهذيب النّفس بالتخلية والتحلية، حيث يعرّفنا الإمام على أهم الأمراض والرّذائل الأخلاقيّة ضمن أسلوبه العلاجيّ المعروف، الذي يجمع بين المعرفة العميقة والموعظة البليغة. ثمّ يكمل تربيته الرحيمة بالحديث عن أهم الفضائل التي يشعر القارئ معها بسهولة التحصيل وقرب المنال..وقد جمع هذا الكتاب ما يمكن أن يشكّل القواعد الكبرى للحياة المعنويّة والأخلاقيّة، وتضمّن مجموعة مهمّة من المعارف المرتبطة بالنفس. كل ذلك، بالطّبع، في إطار معرفة الله تعالى وظهور آثاره وتجلّيات أفعاله وتدبيره،فالإمام الخميني (قدّس سرّه) صاحب مدرسة متميّزة في معالجة النّفس وتكميلها من خلال معرفة الله تعالى. ولهذا يعبّر عن السّالك إلى الله بقدم المعرفة. فالإمام يؤمن بأنّ معرفة الله تجعل القلب متنوّرًا طاهرًا من كلّ أدناس عالم الدّنيا وأرجاسها التي تظهر بصورة الأباطيل والأوهام والعقائد الفاسدة والملكات الخبيثة والأفعال السيّئة، لأنّ أصل كل رجس من ذاك الدّاء الأكبر وهو الكفر بالله والإعراض عنه..ويؤمن الإمام بأنّ كل ما في قلب الإنسان من عقائد سوف يرشح ويتجلّى في صفاته وملكاته وأحوال نفسه، وأنّ هذه الصفات أو الأخلاق ليست سوى ظهور ما في القلب..ولا يمكن وصف الإمام الخمينيّ إلّا بأنّه جامعٌ لمراتب الكمال في العمق والسلاسة والشمولية والتبسيط والروحانية. لهذا، حين كنّا نبحث عن المصادر الأساسيّة التي تشكّل مرتكزات المعرفة الأخلاقيّة والسّلوكيّة، وجدنا (الأربعون حديثًا) على رأس اللائحة، التي ننصح بمطالعتها كل من يريد أن يبني رؤية عميقة وتطبيقيّة في هذا المجال..لقد بقي هذا الكتاب لأكثر من ثلاثة عقود مرجعا رئيسيا لتدريس المعنويّات في المعاهد والمراكز المعنيّة بالعلوم الإسلاميّة. ولا يبدو في الأفق القريب ما يمكن أن يجعله غير ذلك. وهذا لا يعني أن لا نقوم بتأليف الكتب وإعداد الدّراسات والمتون الدراسيّة منه؛ فهو مرجع للمطالعة والتدريس والتأليف أيضًا.



