النسخة الرقميةثقافية

مــرافــئُ في ذاكرة يحيـى السماوي

لطيف عبد سالم

42
للتمعنِ أكثر فِي هَذَا المسار الكارثي أراني مضطراً للتوقفِ عند إجابة السَماوي يحيى عَلَى سؤالٍ للشاعرِ العراقي الأستاذ الدكتور هاشم الموسوي حول وجود صلة مَا بَيْنَ أحداث حياته الواقعية وَبين مَا يرد فِي قصائدِه مِنْ أحداثٍ وَصور، حيث يقول السَماوي في معرضِ رده عَلَى سؤالِ الموسوي : « قبل سقوط الصنم ، كثيرا ما يُفزعني كابوسٌ مرعب لا أدري لماذا يتكرر في منامي بأشكالٍ عدة جميعها تنتهي بأنَ النظام ألقى القبض عليّ وأنني سأشنق، فأستيقظ متعرق الجبين ألهث عطشا …هذا الكابوس لا يتركني شهرا من دون أن يفاجئني بزيارته الوحشية .. ربما لأنني سبق أن وقعت في مديرية أمن المثنى على تعهدٍ بإعدامي في حال مارست العمل السياسي، فإذا بي من بين أوائل الذين حملوا السلاح في الانتفاضة الجماهيرية عام 1991م «. ولعلَّ مِن المفيدِ فِي بحثِنا الحالي استعراض أحد محاور دراسة الشاعر المصري الراحل الدكتور حسن فتح الباب ( 1923 – 2015 ) الَّذِي يُعَدُّ أحد رواد الشِّعْر الحر وَأحد قامات النقد فِي الساحةِ الأدبية العربية الموسومة « الأفق نافذتي للشاعر يحيى السماوي»، وَالَّتِي يقول فِيهَا : « … ولا يقلّ يحيى السماوي في مكانته كأحد المبدعين العباقرة الذين خلدوا الحرية وخلدوا بها، عن شعراء الحرية والمقاومة العالميين، وهم الشاعران الفرنسيان بول إيلوار ولويس أراجون، اللذان انضما الى شارل ديغول في نضاله ضد الطاغية هتلر حين غزا باريس في الحرب العالمية الثانية، وكذلك الشاعر التركي ناظم حكمت الذي ثار على الطغمة الحاكمة في بلده، فأودعته السجن حيث قضى بين أسواره أكثر من عشرين عاما، ثم أفرج عنه تحت ضغط الرأي العام العالمي، فقضى بقية حياته في المنافي «. وَفِي السياقِ ذاته يقول الأديب والباحث العراقي المقيم فِي السويد منذ أواخر سبعينات القرن الماضي الدكتور خالد يونس خالد : « مَن أراد أن يحب العراق، فعليه أن يقرأ السماوي من زاخو إلى البصرة، فأنت جبل حمرين وأنت الفرات، في قصيدتك « أذلَّـنـي حـبـي «. وأنت بين الأهوار تسكب الدموع مع كل العشاق لتشرق شمس الحرية في قلوب المحبين في قصيدتك « الاختيار «.
**
كـمـا يتوغّـل مسمارٌ في خشبة ..
أو جذرٌ في لحم الأرض :
أتوغّلُ في أودية الحنين
أجوب فضاءاتٍ ما مرّتْ في ذاكرة عصفور ..
وبحاراً ما عرفها السندباد ..
لا بسفينةٍ في بحر
ولكن:
على قدميّ الحافيتين
مُيمِّماً روحي نحو الله
وعـيـنـيّ نـحـوك ..!
لا تخافي الرحلة يا حبيبتي
فإنّ فمي سـيعـلـن الإضرابَ عن القبلات
و الحقولَ ستعلن الإضرابَ عن الخضرة ..
الضفافَ لن تعانق الموجةَ العاشقة ..
وستعلنُ البراءةُ عصيانها على الطفولة
ستفقد الحياة عذريتها ويجفّ عفافُ الكبرياء ..
وتنتحرُ الأغنية على شفة القيثار ..
والنخل سيبرأ من أعذاقه ..
فأنحني خجلاً من رجولتي
أنا الذي أريد أن أموت واقفاً
كنخيل العراق!
مَا أظنني مبالغاً إنْ قلتُ أَنَّ الأحداثَ الَّتِي مر بها السَماوي يحيى، وَتعايش مَعَ معطياتِها لسنواتٍ طويلة خلت، كانت لَهَا صلة بالكثيرِ مِمَا ظهرَ مِنْ قصائدِه؛ إذ أَنَّ المحطّاتَ الَّتِي مرّت بِها البلاد – وَلاسيَّما لحظات الفرح المسروقة الَّتِي تخللتها، فضلاً عَمَا حَالَ مِنْ أوجاعِنا إلى تكريسِ الصمت فِي أرواحِنا حتى فِي أعياد الله تبارك وَتعالى – مَا تَزال تستوطن ثقوب ذاكرة شَاعرنا الَّتِي لا تحمل سوى همٍّ فوق هم. وَمِنْ أجلِ أنْ لا نبقى أسارى تصور تلك القضية كاستنتاجاتٍ عامة، حري بنا أنْ نركن إلى مَا اطلعنا عَلَيه مِنْ رؤى النقاد وَالأدباء وَدراسات الباحثين بِهَذَا الخصوص، بالإضافةِ إلى التوقف – قليلاً أو ملياً – لتأملِ وُجّهة نظر السَماوي الَّتِي أثارها – هُنَا أو هناك – عَلَى صعيدِ الكتابة، حيث يشير إلى ذلك بالقول : « ليس سهلاً على الإنسان أن يغسل شرطيّ أمنٍ قذر وجهه بالبصاق أو أن يجعل من وجهه كيس ملاكمة أو كرة قدم. وليس سهلاً على عريسٍ يمضي أوّل أيام شهر العسل موقوفاً في مرحاضٍ مهجور ليخرج بعد أيام مخرّز الجسد «. ويضيف فِي إطلالةٍ أخرى عَلَى أحدِ المواقع الإلكترونية قائلاً : « ليس سهلاً على مدرّسٍ أحبّ وأخلص لمهنته، وكان باعترافِ مديرية التربية من أنجحِ المدرسين في مادته، حتى أنَ الإشرافَ التربوي كان يكلفه بإقامةِ دروس نموذجية في طرقِ تدريس اللغة العربية يحضرها مدرسو ومدرسات المحافظة، فإذا بالأوغاد ينقلونه وظيفياً إلى بائعِ طوابع؛ لأجلِ أنْ يسقط العذر القانوني بعدمِ سوقه للخدمة العسكرية «. وَأَدْهَى مِنْ ذلك الصورة المأساوية المفجعة المتمثلة في استدعاءِ مديرية الأمن لأمه وَأبيه وَأشقائه وَشقيقاته، وَتهديدهم بالتسفيرِ إلى إيران كنوعٍ مِن التعذيبِ النفسي له، مَعَ العرضِ أَنَّ كُلَّ أهل مدينة السَماوة يشيرون إلى والده باسْمِ « عباس الطوبجي «؛ لأَنَّ أباه كان عريفاً فِي الجيشِ العثماني بقسم « الطوب «، وهو ما يعادل مفردة « المدفعية « المستخدمة حالياً فِي الأدبياتِ العسكرية. ولعلَّ مِنَ المُناسِبِ أنْ نشير هُنَا إلى أهزوجةِ « الطوب أحسن لو مكَواري « الَّتِي تُعَدّ أشهر أهزوجة عرفها تأريخ العراق الحديث، إلى جانبِ ارتباطها بأحداثِ ثورة العشرين الَّتِي اندلعت فِي مدينةِ « الرميثة « بمحافظةِ المثنى، وانتشر لهيبها ليشمل العراق كله،، فاصبحت لمدينةِ الرميثة بصمة تاريخية فِي الدفاعِ عَن العراق، وَانطلاق الشرارة الأولى فِي مقارعةِ الاستعمار البريطاني؛ إذ تُعَدّ قلعة الرميثة وَمركزها القديم شاهداً عَلَى حقبةٍ تاريخية أذاق فيها شعبنا الانكليز دروساً فِي الحربِ وَالجهاد وَالشجاعة. وَمِنَ الْمُفِيدِ الإشارة هُنَا أيضاً إلى تأكيدِ الوثائق التاريخية عَلَى أَنَّ تلك الأهزوجة ولدت فِي رحمِ معركة « الرارنجية «، حيث زحف أحد المقاتلين الغيارى الَّذِي كان يترصد مدفعاً تابعاً للجيش البريطاني مستغلاً حلول الظلام وهو لا يحمل غير « المكَوار» سلاحاً – المكَوار عبارة عَنْ عصا فِي أحد طرفيها كمية مِن القيرِ الأسود – وعند وصوله قريباً مِن المدفع، هجم بوثبةِ أسد وَقتل رامي المدفع، ثم اعتلى المدفع وأطلق أهزوجته المشهورة « الطوب احسن لو مكَواري «، إلا أَنَّه استشهد « رحمه الله « فِي الحالِ بعد أنْ أثارَ شعوراً مِن الحماسِ فِي تشديدِ الهجمة عَلَى الجيشِ الإنجليزي المحتل.
اللهمَّ اجعلني:
عشبةً في وطني
لا غابةً في منفى ..
ذرّة رملٍ عـربية
لا نجمةً في مدن النحاس ..
عُكّازاً لضرير
لا صولجاناً لـلـقـيـصـر ..
شريطاً لضفيرةِ عاشقةٍ قروية
لا سوطاً بيد جلّاد ..
حصاناً خشبياً لطفلٍ يتيم
لا كوكبةً ذهبيةً على كتفٍ أثقلتْه الخطايا ..
فلقد أرهقتنا مهنة القتل وهواياتُ المارقين ..
لذا أعلنتُ تضامني مع الحفاة
في حربهم العادلة ضد ذوي القفازات الحريرية ..
مع البرتقالة ضدّ القنبلة ..
مع الأرجوحة ضدّ المشنقة ..
ومع أكواخ الفقراء ضدّ حصونِ الـدّهـاقـنـة !
ـ ـ
أنا لا أبكي يـا حـبـيـبـتـي …
إنما:
أريد أن أغـسـلَ بالدموع
صورة الوطن المنقوشة كالوشم
في عـينيّ!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى