النسخة الرقمية

كيف نصل إلى مراتب العشق الإلهي؟

قال تعالى: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أُمرت وأنا أول المسلمين)..ففي هذه الآية الشريفة يُذكر الرسول (صلى الله عليه وآله) الناس بقوله: (إنني جعلت صلاتي ونسكي ومطلق عباداتي ـ واختصت الصلاة بالذكر كمزيد العناية بها منه تعالى ـ ومحياي بجميع ما له من الشؤون الراجعة إلي من أعمال وأوصاف وتروك، ومماتي بجميع ما يعود إلي من أمور، وهي الجهات التي ترجع منه إلى الحياة ـ (أي الأمور التي تقع بعد الموت ولكن منشأها الحياة واختيار الإنسان) كما قال(صلى الله عليه وأله): (كما تعيشون تموتون)ـ، جعلتها كلها لله رب العالمين من غير أن أشرك به فيها أحداً، فأنا عبد في جميع شؤوني في حياتي ومماتي لله وحده، وجهت وجهي إليه لا أقصد شيئاً ولا أتركه إلا له ولا أسير في مسير حياتي، ولا أرد مماتي إلا له، فإنه رب العالمين يملك الكل ويدبر أمرهم، وقد أُمرت بهذا النحو من العبودية وأنا أول المسلمين لله فيما أراده من العبودية التامة في كل باب وجهه.
فعبادة الله هي حركة الجوارح والأعضاء وسكونها وفق رغبة واحدة وهي أن يكون الحاكم على وجوده هو الله فلا ينظر إلا إذا كان نظره يرضي الله .
فالناس بشكل عام يعيشون في حالة من السفر القهري، فمنذ أن سقطنا من بطون أمهاتنا ونحن لا نعلم شيئاً، وحتى آخر يوم لنا في هذه الدنيا، وقد أشار إلى هذه الحقيقة أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث قال: (أوله نطفة قذرة، وآخره جيفة نتنة، وهو فيما بينهما يحمل القَذِرة)..فهذا السفر الظاهري أي السفر البدني الذي نحن صائرون إليه منذ أن كان الإنسان نطفة قذرة وحتى نهايته التي هي جيفة لا تطاق، هذا يُسمّى سفراً أرضياً أو سيراً أرضياً، في مقابله هناك سير سماوي..والسير السماوي: هو الهروب والفرار من الله سبحانه وتعالى إليه سبحانه وتعالى. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا السفر بقوله: (ففِروُّا إلى الله إني لكم منه نذيرٌ مبين).
فعلينا أن نرى الجمال والكمال الإلهي في قلوبنا ونفوسنا ليتجلى لنا هذا القدس، فحالة الحب والخوف والرجاء هذه كلها تُخرج العبد حتماً إلى قرار كبير وهو وجوب إخلاص نفسه و روحه لله سبحانه وتعالى حتى يتجلى له عظمة القدس الإلهي، ويكون بذلك إنسان متجرد بكل كيانه من الملذات الدنيوية وما تحتويها من مكائد إلى نحو العشق اللا متناهي للقدس الإلهي. حتى يعطى النفحات الإلهية تفتح شهيته على العبادة، والصلاة في المسجد، صلاة الليل، وغيرها فإنه من يعطى هذه الهبات يعطى نوراً يتحلى فيه نحو التشريف الإلهي، يقول الرسول (صلى الله عليه وأله): (أشراف أمتي: حملة القرآن وأصحاب الليل),فعلى الإنسان أن يجاهد في هذا الطريق حتى يصل إلى غايته المطلوبة، ولكن عليه أن ينتبه من مكائد الشيطان اللعين، فهو يبقى دائم الحوم حول الإنسان الذي ينال هذه النفحات الإلهية؛ بإدخال الكبر والعُجب والرياء إلى نفسه، فتراه يتعالى على الناس ويبدأ بترك واجباته الإجتماعية من صلة رحم أو سد ثغر من ثغور المسلمين أو ترك واجب اجتماعي بحجة إنهاء الختمة الفلانية، أو إيتاء الورد الكذائي، ويبدأ يتوهم بأن الناس جهلة وفي ضلال، ويدخلون عليه الظلمة وما شابه ذلك، ويتحول من ذلك الشخص الذي نال نفحة من النفحات الإلهية إلى شخص يعيش حالة من التفرع والعلو والتكبر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى