اراءالنسخة الرقمية

المعالجات القيمية التي أفرزتها فصائل المقاومة

انس الجالي
كان من المخطط لعراق ما قبل المقاومة ان ينسلخ من عراقيته وقيمه والعلامات التي كان يتميز بها العراقي دون غيره عبر سلسلة برامج تشرف عليها عيون البعث الكافر منذ ما يزيد على اربعين عاما وصولا الى اذنابها تحت عناوين أخرى قد يندرج تحت عنوان الديمقراطية تارة وتارة أخرى علمانية أو حتى ماسونية تبرقعت بغطاء اسلامي فصّل على مقاسها لإكمال هذه البرامج لتنشر بين أروقة مناطقنا التي انهكتها الحروب وفتكت بها الأمراض وغير ملامحها الجوع وتغير مفاهيم الناس بما يتناسب والخطة الامبريالية العالمية لقتل كل قيمة أخلاقية قد توجد ولو احساس بالامتناع أو الوقوف بالضد من يعبث بالصالح العام ولتشظي المجتمع الى أسر صغيرة بمعزل عن الآخرين ومن ثم الى أفراد لا يعني بعضهم للآخر شيئا الى ان تقيم سدوداً وحواجز نفسية لتقطيع المجتمع وتقضي تماما على اللحمة المجتمعية وهكذا تصدّر لنا مجتمعاً يدافع أفراده عن أنفسهم فقط لا عن مجتمعهم وإرواء مفهوم الانانية لدى الناس والامتناع عن التلاقي مع الغير والذي قد يوقظ الناس لضرورة الانتباه على الاخطار المحيطة ببلدهم من ناحية أو التي تهدد الأمن الاقليمي من ناحية أخرى أو تلك التي تعمل من أجل قتل الاسلام وتسويقه على انه دين سيف وقتل أرادوا من العراق ان يكون مسرحا كبيرا لكل الأحداث ومن المجتمع العراقي ان يكون مادة الاختبار التي يطبقون عليها تجاربهم سواء كانت العسكرية أو الفكرية أو حتى التجويعية الى ان ملأت الساحة بمئات العشرات من المنظمات الاجنبية التي تحمل كل واحدة منها نموذجا لتهديم وتشتيت المجتمع الذي يخضع لعادات جميلة حفظت وجوده منذ الالاف السنين وتطرق بمعاولها الاماكن الرخوة لإحداث شرخ في جسد هذا البلد المنهك وصولا الى نشر الاوبئة والأمراض وإشاعة الرشوة والفساد ومن ثم تسويقها الى الاعلام بشكل ممنهج لترسيخ هذا الشعور حتى عند العراقيين أنفسهم لتصل الى مرحلة انك لا تثق بالجميع وأنهم بنظرك فاسدين نفذت هذه الايديولوجية بشكل دقيق وعلى وفق برامج عالمية اشرفت عليها القوى المستكبرة وساعدت على اتساع الهوة بين طبقات المجتمع وبين الأسر وحتى بين أفراد العائلة الواحدة بالإضافة الى الضخ الكبير لأفكار العلمانية بالتزامن مع نشر معالم الاسلام الوهابي ليخلق نفورا رهيبا من متبنيات الاسلام الاصيل لا سيما الاسلام السياسي وأصبح هذا الجسد جاهزا للتقطيع وقابلا للرضوخ ومستعدا للتلاشي والى النهاية دقت ساعة البدء بالعملية الاخيرة لقتل كل تاريخ الانسان الذي كان على هذه الارض وتغيير ملامح العالم انطلاقا من تضييع مهده الاول الذي نشأ به توالت غربان الظلام لتجتاح ثلث كامل من العراق واحتلت المحافظات وسبت النساء ووضعت اللمسات الاخيرة لإنهاء ما يسمى المجتمع العراقي القيمي ونشرت مقاطع مصورة لشراء النساء وبيعها أو لقتل احدهم اخاه أو الاخر لأبيه مترافقة بصرخات تحمل للمتلقي ذهنية النفور من أساس هذه الجمل التي يرددونها على انها ايذان بذبح احدهم أو حرق شيء أو اطلاق أي آلة تدمير ضد الانسانية وحبكت القصة بأدق ما يكون وصولا الى اول رصاصات معارك المواجهة ابتداء من طريق سامراء – بلد وقبلها في جرف النصر الى اتساع حلقات المواجهة وقتها انشغل المحللون بنقد ورفد المعارك من وجهة النظر العسكرية وعمل السياسيين على تطويع النتائج لإظهارها دعما لأحقية فريق سياسي واكب عمليات التحرير ولو من خلف شاشة تلفازه الباردة جدا بسبب كثرة سبالت التبريد في غرفة الضيوف ولم ينتبه منهم أحد على ان الفصائل التي تبنت عمليات التحرير العسكرية ايضا تبنت ترميم جسد المجتمع العراقي وأعادت له روح الأخوة والتعاضد والتماسك لآلاف المقاومين من كل المحافظات يلتقون على ساتر واحد يجوعون سوياً ويعرجون سوياً ويجمعهم هم واحد واطلع بعضهم على خصوصيات البعض الاخر وتبادلوا المواقف والزيارات واللقاءات وانتشر بينهم مفهوم الايثار حتى انك ترى أحدهم يغسل ملابس الآخر أو انهم يتسابقون الى خدمة الاخرين وغير ذلك الكثير حتى بلغ الحد ان أحدهم يعطي درعه الواقي للرصاص لصديقه تحت عنوان انك وحيد لأسرتك استمرار جريان هذه القيم الجميلة في جبهات القتال ولأكثر من ثلاث سنوات فتح باب كبير للعلاقات الاجتماعية وهذه المرة ليست فقط داخل الاسرة أو المنطقة أو حتى المحافظة بل خلقت مجتمعا متماسكا ولديه علاقات وذكريات جميلة من البصرة حتى الموصل فضلا على تبادل الزيارات بين المقاتلين سواء في حال الافراح أو الاتراح الى تزويج البعض منهم اخته أو بنته لصديق عرف ثباته وخبر شهامته اثناء الدفاع المقدس بالوقت الذي يحرر به المقاومون شبراً من الارض كان يرجع قيمة مجتمعية الى اصالتها ويردفها بشيء من الثبات حتى انه عندما يذهب أحدهم الى محافظة أخرى لأسباب عمل أو علاج أو صلة أرحام ترى ان الكثير من الشباب يتمنى عليه ان يزورهم وان يكونوا بخدمتهم ذكريات الشهداء ووفاء رفاقهم الى عوائلهم ايضا ساهم بشكل كبير بإعادة روح التعاون والمحبة التي حاول البعث والتكفير قتلها كثيرا مقابر الشهداء ايضا وأيام الزيارات والتقاء عوائل الجنوب والوسط في مقبرة واحدة ومن ثم تبادل الاحاديث وفتح علاقات جميلة أثار موجة راقية من الأواصر القيمية الاجتماعية هذا البناء الانساني الذي شيدته فصائل المقاومة بشكل سماوي رهيب وجميل أسس لمدرسة جديدة أعطت دروسا للبشرية جمعاء وأحبطت قصة قتل أخلاق وطن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى