النسخة الرقمية

الزُّهد علامة أهل الخير

من المفاهيم المُلْتَبَسة عند أكثر النَّاس «الزُّهد»، حيث يظنُّ أكثرهم أنَّ الزُّهد ترك الدُّنيا والظُّهور أمام الآخرين بمظهر البؤس والشقاء وتعمُّد إهمال الجسد واللباس بل إظهار المنفِّرات يدلُّ على عظيم الزُّهد!ومن المفارقات الغريبة أنَّ بعض مَنْ التبس عليهم الأمر لا يعرفون أنَّ الإسلام دعا إلى الزُّهد، وأدنى نظرة إلى الرِّوايات الشريفة وأمَّهات الكتب ونهج البلاغة تُبيِّن ذلك بوضوح، لكنَّها دعوة إلى الزُّهد الحقيقي، وهو:‏الانصراف عن الدُّنْيا وعدم إرادتها إلاَّ بقدر ضرورة البدن لذلك، وبهذا المعنى لا مانع أن يكون للزاهد مالٌ أو خدمٌ أو عقارٌ… ولو كان كثير..ويقول الإمام الصَّادق (عليه السلام): «ليس الزُّهدُ في الدُّنْيا بإضاعة المال ولا تحريم الحلال، بل الزُّهد في الدُّنيا أنْ لا تكون بما في يدك أوثق منك بما عند الله».‏.لكنَّ مَنْ كثُر مالُهُ أو سلطانه أو رتبته كان أكثر عُرْضة للفتنة من غيره، لأنَّ النَّاس بطبعهم ضعيفو النُّفوس فينجرُّون بسرعة نحو الانحراف، فإذا كانت لديهم القُوَّة والسُّلْطة تكون فتنتهم أكبر.‏
فمن أهم صفات الأنبياء والأولياء وأتباعهم عدم تعلُّقهم بشيء من الدُّنيا لنفسه أو طمعاً في خلوده، فهم مُدْركون لحقيقة الدُّنيا ومتاعها وما فيه، وعاشقون لخالقهم تعالى، راغبون في ثوابه، مُقبلون على آخرته الَّتِي هي خيرٌ وأبقى.‏وقد رُوي عن سيِّدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله): «ما اتَّخذ الله نبيّاً إلاَّ زاهداً».ولا يُمكن أن نتصور خلاف ذلك.‏وبما أنَّهم وأتباعهم راغبون في الآخرة وفي كُلِّ خيرٍ يوصل إليه، اختاروا الزُّهد طريقة في هذه الحياة، لأنَّهم علِموا أسراره وعواقبه…فيقول الامام عليٌ أمير المؤمنين (عليه السلام): «إنَّ علامة الرَّاغب في ثواب الآخرة زهدُهُ في عاجل زهرة الدُّنْيا…»وعن الإمام الصَّادق (ع): «جُعل الخير كلُّه في بيتٍ وجُعل مفتاحه الزُّهد في الدُّنيا»فالمهم هو عدم الطمع أو التعلُّق بالدُّنْيا لنفسه، لذلك قد ترى غنياً زاهداً بالدُّنيا، وقد ترى غير غني تعلَّق قلبه به.‏.فالكثير من الأولياء والأتقياء والعلماء كان لهم خدمٌ وحشمٌ بل اشتُهر بعضهم بالغنى واليُسْر، دون شكٍ في زهدهم و ورعهم واحتياطهم في أمر الدِّين.‏.فيقول الإمام الخميني (رحمة الله عليه) في «الأربعون حديث»:‏ «وما ورد في القرآن الكريم والحديث عن ذمِّ الدُّنيا، يعود إلى التوجُّه نحوه، وانشداد القلب إليه».‏.فما لم يتعلَّق القلبُ به، ولم ينشدَّ إليها لا يكون مذموماً، بل هو مزرعةٌ للآخرة، ولا يتنافى هذا مع حقيقة الزُّهد والإعراض عنه، مع الاستفادة منه..وتابع رضوان الله عليه قائلاً:‏ «والدُّنْيا، وإنْ كانت ناقصة بذاتها، لكنْ بما أنَّها مهدُ تربية النَّفس القدسية، ودار تحصيل المقامات العالية، ومزرعةُ الآخرة، كانت المغنم الأفضل عند الأولياء وأهل سلوك الآخرة».ويخلص إلى القول، رحمةُ الله تعالى عليه:‏ «المذموم من الدُّنْيا هو حُبُّها والتعلُّق به، وهذا منشأ كلِّ المفاسد القلبية والظَّاهرية»فالمهم، أنْ لا يركن السالك إلى الله عزَّ و جَلَّ لعطاءات الدُّنْيا، فيسكر به، وأنْ لا يحزن على ما فاته ما دام ذلك لا يؤثِّر في إيمانه وسفره الأخروي..ويقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام):«الزُّهد كلُّه في كلمتين من القرآن، قال الله تعالى: ﴿ لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ … ﴾ ، فَمَنْ لم يأس على الماضي ولم يفرح بالآتي فهو الزاهد»..فالسالك لا يأسف على ما فاته، ولا ينشغل عن آخرته بشيء، ولا ينتظر الفرج من أحد، ولا العِوض، ولا حمدَ النَّاس…فتقليد الزاهدين، والامتثال بهم، في نظرتهم للدُّنيا وتواضعهم وطريقة حياتهم وقناعتهم… تُعلِّم الزُّهد وتقوية اليقين بالله والآخرة وما وُعد به الصالحون فيه، لا محالة يُساعد على الزُّهد.‏ ومِمَّا يُساعد على الزُّهد، ذكرُ نعيم الآخرة وعذابه، وهذا من الأمور الَّتِي أُهملت في مجتمعاتنا إهمالاً عظيماً في السنوات الأخيرة!‏فيوصي أميرُ المؤمنين ابنه الحسن (عليهما السلام) قائلاً:‏«أكثِرْ ذكرَ الآخرة، وما فيها من النَّعيم والعذاب الأليم، فإنَّ ذلك يُزهِّدك في الدُّنيا ويُصغِّرها عندك، وقد نبَّأك الله عنه…».‏

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى