النزعة الدينيّة عند الإنسان في فقه الإمام الخامنئي «دام ظله»

لماذا يعتنق الإنسان الدين ـ أي دين كان؟ وما سبب تجذّر النزعة الدينية في النفس البشرية؟ وهل يمكن للإنسان أن يعيش يوماً من الأيام من دون دين؟ان هذه الأسئلة خاطَرَتْ الكثير من العقول المفكرة، وأصحاب النظريات الفلسفية والاجتماعية، فأدلى كلٌ منهم بدلوه، وظهرت نتيجة ذلك نظريات واتجاهات متعددة، في تفسير الظاهرة الدينية عند الإنسان، وسوف نعرض قسماً من هذه النظريات محاولين مناقشتها بموضوعية وبشكل مختصر بما يتلاءم وطبيعة البحث متجنبين الإسهاب ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً.
نظرية الجهل
وهي النظرية القائلة: إنّ (الدين كان وليد الجهل بالمظاهر الطبيعية)، لأن الإنسان القديم كان يتألم من تلك المظاهر الطبيعية، كالزلازل، والصواعق والفيضانات والسيول..إلى آخره. وهو لا يعلم مصدرها وعلّتها وكيفية تكونها.وحينما لم يستطع أنّ يعلل تلك الظواهر الطبيعية، ويحللها ويصل إلى أسبابها الحقيقية كان يظنّ أنّ لكل ظاهرة طبيعية روحاً، وكان يتخذ من هذه الروح إلهاً..وعليه فإذا كان منبع الدين هو الجهل بحقيقة هذه الظواهر، فإنّه يزول قطعاً عند معرفة الأسباب الحقيقية لها، (ولما كان العلم الحديث القائم على أُسس التجربة العينية قد أزال النقاب عن كثير من ألغاز الطبيعة ومجهولاتها، وعرّف الإنسان الأسباب الطبيعية لهذه الظواهر… فلم يعد هناك ما يبرّر الإيمان بهذا المبدأ الغيبي، واستطاع العلم أن يحلّ بكفاءة محلّ التفسيرات الغيبية الميتافيزيقية.
إن هذه النظرية ـ كما هو واضح ـ تجعل جهل الإنسان بالسبب الطبيعي للظواهر الكونية أو الطبيعية، علة لنشوء واعز الدين في نفسه، فالجهل هو الذي يشده إلى العالم الغيبي، طلباً للمعونة، وخوفاً من الأخطار، فهو يتصوّر أن في تلك الظواهر روحاً لا بد أنّ يتقرب إليها، ويتملّق لها كسباً لرضاها، ودفعاً لغضبها، وعلى هذا لا بدّ أن يزول الدين بمجرد معرفة الأسباب الطبيعية لتلك الظواهر.
لكنّ هذا التفسير لا يصمد أمام النقد، كما أنّ هؤلاء لا يستطيعون أن يقدّموا البرهان الواقعي لفكرتهم؛ لاَننا نرى أن الناس يزدادون تديناً كلما ازدادوا علماً، بل إن العلماء أكثر تديناً من الجهلاء، وما ذلك إلاّ لكون العلم لا يؤدّي إلى الالحاد، في أيّ عصرٍ من العصور، فالعالم المنقّب عن الحقائق يجد في هذا الوجود عالماً لا حدود له، يسوده نظام محكم دقيق، بلا فوضى ولا اختلاف أو تخلف، فلا يلبث بعد النظر والتأمّل أن يقع ساجداً لله، الّذي أوجد هذا الكون العظيم وما يحمل من أسرار وحقائق، وصدق الله إذ يقول: (إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)..التوجه الديني في نظر الاسلام: أما لو رجعنا إلى الدين الإسلامي لرأينا أنه يؤكد أن التوجّه الديني لا بد أن ينساق مع فكر الإنسان وعلمه لا عن جهله وتقليده، ومن هنا وردت عشرات النصوص التي تدعو الإنسان إلى التفكّر في ملكوت السموات والأرض، وهو ما يعبر عنه في علم العقيدة ببرهان النظم الذي يقوم على أساس أن الاهتداء إلى وجود الله سبحانه إنما يكون عن طريق مشاهدة النظام الدقيق البديع السائد في عالم الكون، حيث نرى أن القرآن الكريم يلفت نظر الانسان إلى السير في الآفاق والأنفس ويقول: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ)..ويقول: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ).



