مرافئُ في ذاكرة يحيى السماوي
لطيف عبد سالم
31
لا يخفى على كُلِّ متابعٍ إنْ كان سياسياً أو اقتصادياً وحتى الإنْسَان العادي، أنَّ سياسةَ الحكومات المتعاقبة فِي العراق، لَمْ تكن جديرة بضمانِ العيش الكفاف للفقراءِ والمعوزين، فالمستقبل الذي يصبو إليه الكادحون ظل حلماً يراودهم، فلا أمل يرتجى بالعيش فِي عالمٍ مِن الحريةِ الحقيقية وَالسعادة وَالرفاهية. وَأَدْهَى مِنْ ذلك الحضور الفاعل داخل النفس البَشَريَّة لهاجسِ الاغتراب فِي الوطن، فقمة الاغتراب أن يكون الإنْسَان غريبا فِي دياره وَمَا بَيْنَ أهله وأبناء جلدته، إلا أَنَّ تلك الشرائح الاجْتِماعِيَّة ـ وإن ارخى عليها ليل الفقر سدوله ـ لَمْ يفضِ بهما الفقر المدقع والعوز المؤرق إلى الخنوع، وَلا الذل عرف طريقاً لإكساءِ وجوه أهلها، وَلَمْ تتلاشَ جذوة الأمل ببزوغِ فجرٍ جديد فِي نفوسِ هؤلاء الَّذين لا يملكون شيئا مِنْ حطامِ الدنيا سوى الحب وَالتكافل وَالطيبة، فحالة العوز الَّتِي كانت تخيم عَلَى أيامِهم وَلياليها لَمْ يكن بمقدورِها إيقاف الحياة بالنسبةِ لأباةٍ الضيم، وإنما تجلت بأنبلِ صور الرفض وَالتحدي، فكانت المواجهة لسدنةِ الاستبداد الَّذين ظلّت نفوسِهم سجينة مغامراتها بفعلِ تيقنهم مِنْ أَنَّ لا رادع يردعهم وَلا خشية مِنْ عقوبةٍ قد تطولهم.
مـن حُـسْـنِ حـظـي
أنـنـي أبـدلـتُ:
بـالـوطـنِ الـمـديـنـةَ..
بـالـمـديـنـةِ مـنـزلاً..
بـالـمـنـزلِ الـطـيـنـيِّ ركـنـاً مـن بـقـايـا حُـجـرةٍ..
بـالـحـجـرةِ الـشـبّـاكَ
أفـتـحُـهُ عـلـى نـهـرٍ بـلا مـاءٍ
وبـسـتـانٍ بـلا شـجـرٍ
وفـاخـتـةٍ تـفـتـشُ فـي الـفـضـاءِ عـن الـفـضـاءْ
مـن حـسـنِ حـظـي
أنـنـي هـيّأتُ:
حـقـلـي لـلـخـريـفِ..
ولـلـحـريـقِ الـسّـنـديـانـةَ..
والـحـديـقـةَ لِـلـيـبـابِ..
ولـلـفِـراقِ الأصـدقـاءْ
مـن حـسـنِ حـظِ الـعـشـقِ
أنَّ نـخـيـلَ دجـلـةَ
لا يُـجـيـدُ الإنـحـنـاءَ
ولا يـمـدُّ ظِـلالـهُ لـلـمـارقـيـنَ..
وأنّ بـاديـةَ الـسـمـاوةِ لا تُبـادِلُ بالـرّمـالِ
الـتـبـرَ والـيـاقـوتَ..
والمعـصـومـةَ الأعـذاقِ تـنـسـجُ سـعـفـهـا كـوخـاً..
تُـبـايـعـنـي أمـيـراً فـي بـلاطِ الـوردِ..
عـرشـي قـلـبُـهـا
والـصّـولـجـانُ الـكـبـريـاءْ
وإذن؟
سـأطـبـقُ مـقـلـتيَّ عـلـى غـدٍ عـذبٍ
أرى وطـنـاً بـلا قـهـرٍ
ومـئـذنـةً تُـكـبّـرُ لـلـهـوى
فـيـؤمّ بـالـعـشـاقِ طـفـلٌ مُـشـمِـسُ الـعـيـنـيـنِ
يـلـبـسُ بـردةً خـضـراءَ مـن عـشـبٍ ومـاءْ
بدأ السَماوي يحيى محاولةِ الانتماء إلى اتحادِ الطلبة ولمّا يَزَلْ فِي مرحلة الصبا، حيث دفعته روحه الوثابة المليئة بالحسِ الوطني منذ أنْ كان طالباً فِي الصفِ الأول المتوسط إلى تلك المحاولة الَّتِي قد يرى فِيها البعض مغامرة؛ نتيجة تأثره بزوجِ شقيقته التي تصغره بعام واحد الَّذِي كان منتمياً إلى الحزبِ الشيوعي العراقي حينئذ، إلا أَنَّ صغرَ سنه أخّرَ تحقيق مرامه إلى بداياتِ مرحلة الدراسة الثانوية الَّتِي تشرف فِيها بعضويةِ الحزب الَّذِي يشير إليه باسْمِ «أحفاد عروة بن الورد». وَقد كان لاتحادِ الطلبة الأثر الفاعل فِي تحولِه مِما توجبه مرحلة المراهقة مِنْ إفرازاتها، وَالَّتِي مِنْ بَيْنَها صدور مجموعته الشعرية الأولى «عيناك دنيا»، حيث انتقل المراهق إلى مرحلةِ الفتى المنشغل بهمومِ الإنسان ويبدأ شبابه الشعري فِي ديوانه الثاني الموسوم «قصائد في زمن السبي والبكاء»، مَعَ العرض أنَّ تلك المدة تركتْ فِي نفسه ذكريات لم ينسَها. وَتنامي هذا الحس الوطني فِي مرحلةِ دراسته الجامعية الَّتِي عمل خلالها «مجاناً» فِي صحيفةِ «طريق الشعب». وَضمن هذا الإطار لا ينسَى السَماوي تأثره بأساتذته الذين ساهموا فِي صنعِ الوجدان الوطني لطلابِهم أمثال الأساتذة عزيز الحاج علي عيسى الجبلاوي وحسين علي الغرة وزوج شقيقته الشهيد إبراهيم الحساني «ابو نوفل»، فضلاً عَنْ بقيةِ رموز الحركة الوطنية فِي مدينةِ الفقراء وَالكادحين «السَماوة».
لا بـدَّ أنـكِ تـسـألـيـن الان
عـن أسـبـابِ إيـقـادي الـفـتـيـلْ
فـي ورد أحـلامـي..
وعـن سـرِّ انـطـفـاءِ العـشـبِ
فـي مـقـلـي..
وعـن سـبـبِ الـرّحـيـلْ
أمضـيـتُ عـمـري واهِـمـاً..
حـيـنـاً أرى ـ فـي الـحـلـمِ ـ بـاديـة السـمـاوةِ
واحـةً..
والـنـخـلَ ـ وهـو مـآذنـي الـخـضـراءُ ـ
يـرفـلُ بـالـهـديـلْ
وأرى «أبا عـوفٍ» و»عـمّـارَ بن يـاسِـرَ»
يـثـردانِ الـخـبـزَ فـي صـحـنٍ
ويـقـتـسـمـانِ مـا فـي الـكـوزِ مـن دمـع الـسـمـاءِ..
وآلَ دجـلـةَ يـسـمـرون عـلـى الـضـفـافِ..
أرى الـخـلـيـلـةَ والـخـلـيـلْ
يـتـنـاغـيـانِ..
أرى بـيـوتَ الـطـيـنِ ضـاحـكـةً..
أرى الـعـشـاقَ
يـفـتـرشـون سـاحـاتِ الـمـدائـنِ فـي الأصـيـلْ
حـتـى أفـقـتُ عـلـى:
الـمُـلـثّـمِ..
والـفـقـيـهِ الـزُّورِ..
والـسـيّـافِ..
والـحـامـي الـدخـيـلْ
فـإذا بـيـومـي يـلــطـمُ الـشـمـسـيـن مـن جـزعٍ
عـلـى غـديَ الـقـتـيـلْ
يمكن الجزم بأنَّ السَماويَ يحيى، شاعر متوهج الموهبة، أفضى بتميزِ عطائه الشعري إلى المُسَاهَمَةِ فِي إثراءِ الأدب العربي بمنجزٍ أدبي مائز، أصبح يشكل ـ بتماسه مَعَ معاناةِ الفقراء وَهموم الوطن وَالإنسان ـ وَجدان أجيال، فالمثقف كما قيل: «ينبغي أنْ يكون صاحب رؤية وموقف، متجاوزا دائماً لواقعِه، متصادما مَعَ ثوابتِ مجتمعه وَالسلطة القائمة». وَقد حظيت تجربة يحيى السَماوي الشعرية باهتمامٍ متزايد مِنْ النقّاد العراقيين وَالعرب، فضلاً عَنْ الشعراءِ وَالأدباء وَالقراء، فالباحث وَالناقد العراقي صباح محسن كاظم يشير إلى تجربةِ السَماوي يحيى بقوله: «السماوي تجربة إنسانية ثرة.. من جنوب القلب سماوة النخيل والسمار وضفاف الفرات…الشاعر والاستاذ والمكافح والسجين والشريد اكتوى بها القلب الكبير.. مخاضات.. من سجن الوطن الى سجن رفحاء الى الغربة الضبابية.. جعلته يبحث عن الخلاص.. عن السلام.. عن الحب». وَضمن هَذَا المعنى يقول الناقد العراقي جمعة عبد الله: «إن اسلوبية السماوي في خلق المخيلة الشعرية الملهمة, في الصياغة والتكوين والبناء, لها منهجية وخصوصية يتميز بها السماوي في الاسلوبية الشعرية التي ينتهجها وبرع بها بتألق جمالي كبير, تتمثل في التركيز على خلق الصورة الشعرية المتكاملة بحيث يجعلها ناطقة بالصوت والصورة, في مشاعرها المتدفقة, برز في البنية المعمارية في خلق الصورة المتكاملة, شعرياً ولغوياً دون اطناب في السرد الشعري, وانما خلق محصلة الصورة الكلية المشهدية التي تتكون بالاختزال والتكثيف, وفي هندسة شعرية معمارية متألقة». كذلك ينحى الشاعر العراقي عبد الكريم محمد الحسون بالمسارِ ذاته حين يقول: «تحية اجلال وتقدير لشاعرنا الكبير المعطاء السماوي الذي ألبس الشعر ثوب العافية بنصوصه المتميزة واشعاره المخضلة بندى ازاهير الحب والحنان والحبلى ببشارة الامل الذي سيلقي ظلاله على ربوع ارواحنا التي أمحلتها سنين القهر».
وَعَلَى ذكرِ «الأرواح الَّتِي أمحلتها سنين القهر»َ، لا مناص مِن الاعترافِ بصبرِ السَماوي وَتمسكه بالأمل فِي انجلاءِ غيوم الظلام وبزوغ فجر جديد وَإنْ تأخر، فهو الَّذِي كتب ذات يوم إلى صديقه الشاعر كريم الثوري ـ وَرُبَّما كان يمازحه ـ بقولِه: «بعض التأخر جميل أيها الحبيب.. من أمثلة ذلك: تأخرنا في الوصولِ إلى المقاعدِ الأمامية في سياراتِ النقل العام، فنجلس في المقاعدِ الخلفية، لنكتشف أنَّها الأجمل والأبهى؛ لأنَّ جلاسَ المقاعد الأمامية لا يرون غير زجاج الواجهة، أما الجالسون في الخلفِ فإنهم يرون جميع الركاب».
لن يكون بعيداً اليوم الذي ينتقم فيه:
الجرحُ من السكينِ..
الدموع من دخان الحرائق..
الشجرةُ من الفأسِ..
الأقدام الحافيةُ من الأشواك..
القيودُ من صانعيها..
الأوطان من السماسرة..
وظباء يقيننا
من ذئاب الظنون!
لن يكون بعيداً اليومُ الذي يتآلفُ فيه:
الخبزُ مع الجياع..
العشب مع الصحارى..
الذئبُ مع الشاة..
الوسنُ مع الأجفان المسهدة..
هذا ما قرأته في كتاب عشقي
المكتوب على فمي
برحيق رضابك!
يشير الأديب العراقي حسين السوداني إلى شاعريةِ يحيى السَماوي بقوله: «أنت لست من سلالة بني ادم بل من سلالة الجن الذين اختطفوا يوماً ـ خرافة ـ أنت من عصابة العفاريت لغة, بلاغة وصوراً جمالية شعرية عذبة. قرأت كثيراً باللغة التشيكية لشاعر الرومانسية والجمال ـ يسينين ـ الشاعر الروسي العظيم فتوصلت الى قناعة تامة بان شيطان الشعر وليس ملاكه هو الذي يزق الشعر زقاً بقلبك كما كان يفعل مع ـ سيرجي يسينين ـ. رومانسيتك السحرية قريبة جداً من رومانسيته إلا أنه شاعر الريف وأنت شاعر المدينة. هنيئاً لك ولنا نحن قراء شعرك هذه الشاعرية الرهيفة». وَفِي شهرِ نيسان مِنْ عامِ 2009م وصلته رسالة مِن الدكتور يحيى معروف ـ إيراني الجنسية ـ يقول فِيها: «أخي العزيز الأستاذ يحيى السماوي المحترم.. انه من دواعي فخري وسروري ان اعلن إلى سيادتكم باني اعمل استاذا مشاركا بجامعة رازي في كرمنشاه بإيران ـ كلية الآداب والعلوم الانسانية قسم اللغة العربية ـ ولنا اطروحات مختلفة عن شعراء العرب الكبار، والآن افتخر أن اقترح لطلابي باختيار موضوع اطروحتهم حول سيادتكم كشاعر مجيد ورومنسي فذ، ولذلك أتمنى من حضرتكم أن ترسلوا لنا دواوينكم الشعرية عن طريق البريد الإلكتروني للوقوف على قصائدكم القيمة.. أخوكم الدكتور يحيى معروف».
الخبز يشكو الجوع
والينبوع يستجدي السراب
وتشحذ الشمس الضياء من الفوانيس الكفيفة
ما الجديد إذن
إذا جحدت مغنيها الربابة
والنديمة صَيْرَتْ من شعرها
حبلاً لمشنقة.. ومن شباكها لهزار قلبك
مقصلةْ؟



