ماذا يعني لديك الشعر؟
كثيراً ما قرأنا في سنواتٍ قد خلت تجارب شعرية عديدة سواء كانت تجارب عراقية أم عربية أم تجارب غربية , ولكل شاعر صورة شعرية يطرق بها مسامع الآخرين . هناك من كان الهم الإنساني حاضرا في صوره والبعض قدم المرأة مشروعا لصناعة قصائده كما عرف عن نزار قباني والبعض نقل همومه عبر نصوص الحزن والألم مثل أمل دنقل وهكذا ولدت تجارب الرواد من الشعراء العرب . كما تعرض شعراء الغرب إلى نفس المشاهد ربما كانوا يختلفون فقط بما يحيط بهم من طقوس تختلف تماما عن الطقوس العربية ..
طاغور مثلا نقل المحنة التي عاشها الشعب الهندي وما تعرض إلى صنوف شتى من الجوع والخراب الاقتصادي والنفسي فكان شعره استنهاض الهمم في شعبه للثورة على النظام الفاسد في حين أنه كان يعيش ضمن الطبقة الأرستقراطية لكنه وجد أن الشعر هو صناعة الإنسان والمشاركة في التغير الذي ينشده الشعب , فكانت تجربته قد أحبها المتلقي وأخذ يقرأها ويتابعها
الشعر سادتي هو ليس غناءاً في فراغ بل هو رسالة صوتها مدوي يبحث فيه الشاعر عن التغير ومحاولة كشف الحقائق وركل الزيف القابع في مؤسسات الطواغيت وأهل الشر والفتن .وحين يكون الشاعر محنة شعب يصبح قادرا على الوصول إلى هدفه كما فعلها أحمد مطر مثلا أو كما مثلها بكلِ فصولها الشاعر التركي ناظم حكمت حين خرج من بيت السلطان وهو ينتمي له ليشارك الفقراء والفلاحين ثورتهم ضد الفساد فعاش مدافعا عنهم وتحمل السجن حتى نفي ومات في روسيا منفيا ..
البعض الآخر من التجارب الشعرية يعيش التمرد بكل صورة ليتسكع على الأرصفة ويأكل فُتات المطاعم ويتوسد القمامة دون أن يحاول ولو لمرة أن يبيع تجربته أو يرتدي الزيف ويجامل ..أحسين مردان مثلا , شاعر كتب الجمال وبلغ مستوى كبير في نبوءته الشعرية . عاش ومات على رصيف الوطن والعوز رفيقة الدائم.
اليوم وبعد أن كتب العشرات بل المئات من الذين يدعون الشعر سواء في العراق أم الوطن العربي وبعضهم لهم تجارب لا بأس بها لكنهم للأسف لم يعرفوا ماهية الشاعر ومهمة القصيدة فراحوا يكتبون صورهم بعيدا عن هموم أوطانهم وما يتعرض له الفرد من شتى صنوف الهيمنة سواء اقتصادية كانت أم اجتماعية فكانت نصوصهم متشابهة تخلو من الدهشة ولا تمثل مجتمعاً بل تمثل فراغاً وحريات مشوشة دفعتهم ثقافة الاستسهال والنشر دون رقابة وإعلام رخيص لا يقيم الجمال بقدر ما يحاول إملاء صفحات الجرائد بغبار سموه شعرا..
هنا أنبه الشباب ممن لديهم رغبة في كتابة الشعر عليهم بقراءة تجارب الكبار من شعراء عرب وشعراء الغرب و الثقافات كافة ثم العودة لكتابة هموم المجتمع ومحاولة إصلاح الخلل وكشف الأخطاء بأسلوب شعري متخمٍ بالصور الهائلة مبتعدا عن تجارب ما سبقوك بل أكتب بنغمٍ جديد يلائم المرحلة ويعيش ضمن جراحات الجياع والابتعاد تماما عن التقليد ومحاولة دس بعض الصورة المسروقة ضمن نصك الجديد . بهذا نستطيع أن نبني جيلا شبابيا مبدعا يتحمل مسؤولية الثقافة الوطنية الخالصة ومحاربة المدعون كذبا وبهتانا للشعر والأدب وهم كثر وجدوا في كل جيل من الأجيال لأنهم طاعون حقيقي يقتل الإبداع ويشوه المبدعين.
قاسم وداي الربيعي



