اخر الأخبار

المراقب العراقي – متابعات

خهطجحخ

في تركيا مجموعتان من القيم الإستراتيجية على صعيد السياسة الخارجية، إحداهما ثابتة والأخرى متغيرة, لو بدأت دولة ما تتغاضى عن الخسائر الاقتصادية بسبب هواجسها الأيديولوجية يصبح مستحيلًا أن تنتج قيمة استراتيجية متغيرة على المستوى الدولي, ويمكن تلخيص القيم الثابتة على نحو موقعها الجغرافي، القاعدة العسكرية الأمريكية في إنجيرليك بمدينة أضنة، استضافتها للعديد من مشاريع الطاقة المختلفة, أما القيم المتغيرة فهي ثروتها الاقتصادية، ديمقراطيتها النسبية، دولة القانون، وساطتها بين الغرب والعالم الإسلامي وما إلى ذلك, ولقد رأينا أن القيم المتغيرة لتركيا باتت على المحك في الوقت الراهن, فالنموذج التركي الذي كان الجميع يتحدث عنه بإعجاب كبير أفلس وحلت محله صورة سلبية استبدادية ابتعدت عن مفهوم دولة القانون, كما أن النجاح الاقتصادي الذي يأتي على رأس القيم الاستراتيجية المتغيرة لتركيا لحقت به أضرار كبيرة, والدليل على ذلك مغادرة العديد من الشركات العالمية للسوق التركي الواحدة تلو الأخرى, فلو بدأت دولة ما تتغاضى عن الخسائر الاقتصادية بسبب هواجسها الأيديولوجية يصبح مستحيلًا أن تنتج قيمة استراتيجية متغيرة على المستوى الدولي, وإذا خاطرت دولة ما بإغراق شركة تدفع لها الضرائب لأن صاحبها معارض لها فقط، فإن العالم سيبدأ بمعاملة هذه الدولة على أنها دولة “طائشة “.

للأسف، فإن الاستبداد يقتل التصرُّف العقلاني على جميع المستويات, لايمكن لدولة ما أن تخوض حربا لن تستطيع أن تنتصر بها، ويمكن للناس تفهم هذا, لكن إذا حاولت هذه الدولة القضاء على الحريات المشروعة وفق القواعد القانونية فهذا يعني أن أحدا لن يحمل داخله أملًا إزاء هذه الدولة بعد اليوم,عندما فقدنا الديمقراطية ودولة القانون والعقل الاقتصادي أصبحت تركيا مضطرة للاعتماد على قيمها الاستراتيجية الثابتة, ولهذا السبب فهناك كثيرون يطلقون على تركيا وصف “الدولة العقارية” أي أن الشيء الوحيد الذي تستطيع تركيا تسويقه على المستوى الدولي هو مكانتها العالمية, وفي الوقت الذي تحاول فيه حكومة حزب العدالة والتنمية تدوير عجلة الاقتصاد على المستوى الداخلي من خلال محور الأراضي والمقاولات، تسعى لإدارة الأمور على مستوى السياسة الخارجية من خلال تسويق موقعها المتميز كدولة تربط بين قارتين, وهذه القيمة على حافة الخطر ايضا, ذلك أن القيم الثابتة تواجه خطرا كبيرا هي الأخرى, فعلى سبيل المثال لم تعد تركيا قادرة على أن تقول “أنا قريبة إلى الشرق الأوسط من الناحيتين المادية والثقافية، ولهذا يمكنني لعب دور الوسيط بين الشرق والغرب” وفي الأساس لم يبق نظام في الشرق الأوسط، ولم تبق سوريا أو ليبيا التي يمكن أن تتوسط تركيا لحل قضيتهما هذا فضلًا عن أن تركيا قطعت علاقاتها بالعديد من دول المنطقة, إن أسوأ ما في الأمر هو تدهور علاقة تركيا بالدول الغربية, ولا يمكن لدولة تدهورت علاقاتها بالغرب والشرق أن تلعب دور الوسيط بين هذين المحورين, ووفق ما نراه، فإن قطر هي أقرب حليف لتركيا في المنطقة حاليًا غير أن أراضي قطر تضم أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط هذا إلى جانب أن بريطانيا هي أكبر حليف غربي لدول الخليج العربي وهو ما يعني أن الدول الغربية ليست في حاجة إلى وساطة تركية من أجل توطيد علاقتها بدولة كقطر, فهناك نقطة يجب أن يلاحظها العديد من الخبراء في تركيا، وهي “أن الثقافة الاستراتيجية الغربية الجديدة التي تشكَّلت بعد موجة الربيع العربي لا تنظر إلى تركيا على أنها دولة تنتج قيمة استراتيجية حيوية” ولهذا السبب فإن القيمة الجيوسياسية التي سوقتها تركيا على مدار عشرات السنين لم يعد لها معنى بعد اليوم, عندما كان يقع أصغر شيء في تركيا في تسعينيات القرن الماضي وحتى مطلع الألفية الجديدة كانت الدول الغربية تبدي ردود أفعال على أرفع المستويات, لكن اليوم لا أحد يهتم بشأن تركيا لأن الناس، وفي مقدمتهم الغربيون، صاروا لا يعتقدون أن تركيا تتمتع بقيمة استراتيجية فريدة غير موجودة لدى أحد .

سيناريوهات الإنتخابات التركية

هذه الانتخابات حاسمة لأنّ رجب طيب أردوغان غيّر الهدف الأساس من الانتخابات لتكون أكثر من مجرد تشكيل برلمان جديد وحكومة بأغلبية ساحقة لحزب العدالة والتنمية الحاكم في البلاد وهذا سوف يتيح لهم كتابة دستور جديد يُمكّن الرئاسة، من خلال المزيد من الصلاحيات التنفيذية وعدد أقل من الضوابط والتوازنات, من أجل الوصول إلى هذا الهدف؛ يحتاج أردوغان إلى أغلبية بنسبة الثلثين في البرلمان المكّون من 550 مقعدا، وهو ما يعني 367 مقعدا وبدلًا من ذلك، فإنّ أغلبية بنسبة ثلاثة أخماس من 330 مقعدا تسمح للحكومة بإجراء استفتاء على الدستور الجديد حتى الآن، لم يستطع أردوغان الحصول على أي من هذين الخيارين، على الرغم من حصوله على الدعم الشامل بنسبة 50% في انتخابات2011،فقد فاز حزب المعارضة الرئيس، حزب الشعب الجمهوري، بنسبة 26% من الأصوات، وحصل حزب الحركة القومية على 13%، وحصل المستقلون بدعم الأكراد على أكثر من 6%، وحصل اثنان من الأحزاب اليمينية الدينية، حزب السعادة وحزب الاتحاد الكبير، على 2% من الأصوات, اما في الانتخابات المحلية عام 2014، كان توزيع الأصوات تقريبا 46% لحزب العدالة والتنمية، و27.5% لحزب الشعب الجمهوري، و15% لحزب الحركة القومية، و6% للمرشحين الأكراد، و3.1% لحزب السعادة وحزب الاتحاد الكبير, لأنّ حزب الاتحاد الكبير قرر دخول الانتخابات في 2015 في تحالف مع حزب السعادة, العامل الفاصل في هذه الانتخابات هو حزب الشعب الديمقراطي، المؤيد للأكراد، مع هيكله الحالي الذي يضم الاشتراكيين والليبراليين الأتراك، ويهدف إلى توسيع برنامجه ليصبح “حزبا لجميع تركيا” كجزء من عملية الحوار مع الحكومة لإيجاد حل سياسي للمشكلة الكردية وأعلن الحزب هذه المرة أنّه سيتدخل كحزب سياسي للطعن في العتبة البرلمانية غير العادلة التي تشترط الحصول على نسبة 10% من الأصوات لدخول البرلمان، وذلك لضمان وجود أفضل في البرلمان اعتادت الأحزاب السابقة على تجاوز تلك العقبة من خلال طرح مرشحين مستقلين من أجل ضمان تمثيل في البرلمان, وفقًا لأحدث استطلاعات الرأي، فمن غير المؤكد ما إذا كان حزب الشعب الديمقراطي قادرا على اجتياز هذه العتبة الانتخابية ومع ذلك، من أجل التوقعات والتفكير في سيناريوهات مدة ما بعد الانتخابات، هناك عدد من برامج المحاكاة، وأحد هذه البرامج تم تصميمها من مجموعة من المهندسين والمصممين الشباب الاتراك, ربما لا يقدم البرنامج توقعات صحيحة بنسبة 100%، ولكنه يعطي فكرة منطقية حول ما يمكن أن يحدث، اعتمادًا على مستويات الدعم المختلفة مع الإشارة إلى الانتخابات الأخيرة, إذا حصل حزب الشعب الديمقراطي على نسبة 10%، وإذا لم يستطع أي من حزب الشعب الجمهوري ولا حزب الحركة القومية من زيادة أصواتهما فوق 26% و13% على التوالي إذن، في كل الاحتمالات سيحصل حزب العدالة والتنمية على أقل من 41% وفي هذه الحالة، فإنّ الحكومة لن تكون قادرة على ضمان الحصول على 276 مقعدًا، وستسقط دون دعم إضافي من خلال الدخول في ائتلاف, إذا حصل حزب الشعب الديمقراطي على نسبة 10% وحصل كل من حزب الشعب الجمهوري وحزب الحركة القومية على نفس نسبة الأصوات السابقة، فربما يتمكن حزب العدالة والتنمية من تشكيل حكومة يقودها حزب واحد، ولكنه لن يستطيع الوصول إلى عدد 330 مقعدًا الضروري لإجراء استفتاء على اقتراح النظام الرئاسي من أردوغان، ناهيك عن النجاح في الانتخابات البرلمانية دون دعم إضافي, وإذا لم يستطع حزب الشعب الديمقراطي الحصول على 10% من الأصوات وسقط تحت العتبة البرلمانية؛ إذن يجب على حزب الشعب الجمهوري الحصول على أكثر من 30%، وأن يحصل حزب الحركة القومية على ما يقرب من 20%؛ من أجل منع حزب العدالة والتنمية من تشكيل حكومة بمفرده وهذا السيناريو لا تدعمه أي من استطلاعات الرأي الحالية, اما إذا فشل حزب الشعب الديمقراطي في الحصول على نسبة 10% من الأصوات ولكن في الوقت نفسه، زادت أصوات حزب الشعب الجمهوري أو حزب الحركة القومية بنسبة 1%؛ فمن المستحيل لحزب العدالة والتنمية الحصول على 330 مقعدًا لتنفيذ مقترح الرئاسة الذي يطرحه أردوغان دون دعم من أحزاب أخرى. وهذا السيناريو غير محتمل في ظل المناخ السياسي الحالي في تركيا.

محددات الموقف التركي من الأزمة السورية.. لماذا تخشى أنقرة من التدخل العسكري

بعد أكثر من أربع سنوات من اندلاع ما يسمى ب”الثورة السورية”، تبدو القضية السورية أكثر قضايا المنطقة استعصاءً على الحل، وأكبر التحديات للسياسة الخارجية التركية ذلك أن الموقف التركي عالي السقف والمُطالِب برحيل الرئيس وإسقاط النظام لم يجد طريقه للواقع، ولم تسعفه الظروف الإقليمية والمحلية في تحقيق أهدافه, اليوم، تمثل عاصفة الحزم سابقة فريدة في المنطقة، بعدّها “ظاهر الامر” حلًّا عربيًّا وإقليميًّا لكسر جمود التوازنات الدولية والمبادرة إلى التدخل في اليمن لفرض الحل وهو ما جعل طرح السؤال حول إمكانية الاستفادة من التحالف المعلن والظروف الحالية لتنفيذ سيناريو مشابه في سوريا سؤالًا منطقيًّا، بعدّ التشابهات الكثيرة والكبيرة بين الملفين اليمني والسوري، على الأقل لجهة الأطراف الإقليمية المعنية واصطفافاتها, خلال مدة الحرب الباردة كانت تركيا عضوا في المعسكر الغربي بينما كانت سوريا حليفًا للاتحاد السوفيتي وهو ما وتَّر العلاقات بينهما لسنوات طويلة، خصوصًا في ظل النزاع على لواء الإسكندرون ودعم النظام السوري لحزب العمال الكردستاني لكن نظرية تصفير المشاكل التركية وحرص أنقرة على العلاقات الاقتصادية تحديدا مع دول الجوار دفع بالعلاقات التركية-السورية إلى ذروتها خلال سنوات قليلة، حتى أصبحت سوريا بوابة تركيا نحو العالم العربي، وتم إلغاء التأشيرات بين البلدين، وتأسيس مجلس أعلن للتعاون الاستراتيجي بينهما عام 2009، وارتفع التبادل التجاري بينهما من 700 مليون دولار عام 2002 إلى 2.2 مليار دولار عام 2010 بعد أشهر قليلة من اندلاع الثورة السورية قام خلالها وزير الخارجية التركي آنذاك أحمد داود أوغلو بعدة زيارات إلى دمشق للتوسط لدى النظام للتخلي عن الحل الأمني والقيام بإصلاحات ديمقراطية، اتخذت تركيا قرارها بدعم المعارضة والمطالبة برحيل النظام، تمشيًا مع سياستها الداعمة للثورات والمراهِنة على لحظة الربيع العربي, بيد أن استدامة الأزمة دون حل، وحالة الفوضى العسكرية السائدة على الأرض السورية، إضافة لتذبذب الموقف الأميركي، كانت من بين الأسباب التي أدت إلى تراجع الموقف التركي عن شرط رحيل الأسد، خصوصًا في ظل توقعات باتفاق وشيك بين إيران ودول “5 زائد 1” عام 2014 وتبعاته المتوقعة، وهو ما دفع تركيا لتأييد الحل السياسي من خلال مفاوضات “جنيف 2″، وحثِّ المعارضة السورية على المشاركة به, في حزيران 2014، ومع ظهور تنظيم “داعش” في الموصل وتشكيل التحالف الدولي لمواجهته، تبلور موقف تركي وافق لفظيًّا وبشكل مبدئي على المشاركة به، لكنه تمنَّع حتى الآن عن الانخراط الفعلي في العمليات العسكرية، أولًا لتبنِّيه رؤية تطالب بإسقاط النظام في دمشق بعدّه أحد أهم أسباب ظهور التنظيم، وثانيًا لسوْق تركيا شروطًا ثلاثة بين يدي مشاركتها حماية لأراضيها، وهي المناطق الحدودية الآمنة، ومناطق حظر الطيران، وتدريب وتسليح الجماعات المسلحة .

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى