اراءالنسخة الرقمية

الإستراتيجية الأمريكية .. هل تُحوّل الاكراد إلى حصان طروادة ؟

أمجد إسماعيل الأغا
في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي والحرب القائمة على سوريا ، وتنوّع القوى التي تعمل في الميدان السوري ، يضاف إلى ذلك النتائج الإستراتيجية التي حققتها الدولة السورية سياسيا وميدانيا ، اختارت واشنطن تحريك الأكراد بيدقها الميداني لتضمن بقاءها في سوريا والمنطقة ، بعد سقوط قناع داعش ، ما يعني سياسيا النفخ الأمريكي في القنبلة الكردية بهدف إعادة خلط الأوراق الميدانية والسياسية ، وكهدف امريكي أبعد ، تسعى واشنطن وعبر الأكراد إلى إعادة تفعيل سايكس بيكو جديدة على أسس مذهبية وعرقية ، يمكن الاستفادة منها في تسعير حرب أهلية ، فالأكراد وبرغم معرفتهم بأن العمل تحت الجناح الأمريكي سيفتح عليهم العديد من الابواب ، أهمها إعلان الحرب عليهم إضافة إلى الصراع العربي الكردي في مناطق سيطرتهم .
الواضح بأن ذاكرة الاكراد ضعيفة إلى الحد الذي يُسقطهم في ذات الحفرة العديد من المرات ، فقد أختبر الأكراد موقف الولايات المتحدة السلبي وعدم اكتراثها بإعلان استقلال كردستان ، ثم عقدوا رهاناً جديداً عليها في شمال شرق سوريا إثر وعد أميركي بإنشاء جيش كردي من 30 ألف مقاتل، الأمر الذي تسبّب بشنّ عملية غصن الزيتون التركية للحؤول دون وضع هذا الوعد موضع التطبيق ، وتفيد التطوّرات على الأرض أن الولايات المتحدة الأميركية تراجعت عن استراتيجيتها المُعلَنة منذ عشرة أيام، وتعهّدت بعدم تزويد الكرد بالسلاح. هكذا خذلت واشنطن كرد سوريا بعد أن خذلت كرد العراق العام الماضي ، وبرغم ذلك لم يتوقّف الكرد عن السير خلف السياسة الأمريكية ، ومن الجدير بالذكر أن روسيا عرضت عليهن قبل أسبوع من عملية غصن الزيتون تسليم مناطقهم للجيش السوري لقاء حمايتهم وإشراكهم في العملية السياسية، لكنهم رفضوا بعد أن قدّموا تنازلات شكلية من قبيل رفع العلَم السوري وتسليم مطار وقاعدة منغ المُدمّرة ، فكان أن تقدّم الجيش التركي إلى أراضيهم مع إنذار للولايات المتحدة بسحب قواتها من «منبج تحت طائلة إصابتها بقذائف تركية». قضية أخرى تحاول أمريكا عبرها استغلال الأكراد ؛ «قضية النفط السوري» خاصة أن غالبية الآبار تقع في المناطق التي يسيطر عليها الأكراد، وقد تعاون الكرد مع الأمريكيين لبسط سيطرتهم على غالبية حقول النفط في سوريا، لما يشكله هذا الأمر من أهمية كبيرة بالنسبة للأكراد وطموحاتهم في إنشاء حكم ذاتي فضلا عن عائدات النفط التي تساهم بشكل كبير في إحياء المناطق الكردية وتحريك عجلة الاقتصاد داخلها ، ولكن السيطرة الكردية على غالبية حقول النفط تواجهها مجموعة من التحديات التي من شأنها أن تقوض الآمال الكردية ، وتقطع الطريق على الكثير من المخططات التي عمل عليها الأكراد وقيادتهم السياسية والعسكرية ، فالنسيج العربي الموجود في المناطق التي يقع فيها قسم لا بأس به من آبار النفط السورية يبعد امكانية ضم هذه الآبار ووضعها تحت السيطرة الكردية كما يحد من الأطماع الكردية ، كما سيواجه الأكراد مشاكل كبيرة في آلية حكم هذه المناطق، فضلا عن استحالة استثمار هذه الحقول لنقص الكوادر الكردية في ما يخص تشغيل واستثمار الحقول النفطية ، ولن يجد الأكراد معبراً لتصدير النفط والغاز إلا ضمن الأراضي السورية ما سيضطرهم إلى التفاوض مع الحكومة السورية ، ولكن في مقابل ذلك ، واستنادا إلى تصريحات القيادة السورية ، التي تؤكد بأن الدولة السورية لن تقف مكتوفة الأيدي أمام سيطرة الأكراد على آبار النفط السورية ، كما أن روسيا لن تسمح بتقوية الأكراد على حساب الحكومة السورية ولا يمكن لروسيا القبول بسيطرة الأكراد المدعومين من قبل واشنطن على آبار النفط في دير الزور، لأن ذلك من شأنه أن يخل بميزان القوى لصالح أمريكا في نهاية المطاف. وعليه؛ هل تساءل الأكراد لماذا كل هذا الدعم الامريكي لهم ؟!، الحقيقة والوقائع تؤكد بأن هذا الدعم مرحلي ومؤقت سيذهب أدراج الرياح بعد تحقيق واشنطن لمصالحها في المنطقة التي على ما يبدو لن تستطيع تحيق منها شيء، خصوصاً بعد الانتصارات الكبيرة التي حققها محور المقاومة في عموم المنطقة ، وهناك أمر آخر يجب الإشارة إليه بأن واشنطن تستخدم الأكراد من أجل السيطرة على مناطق واسعة في الشرق الأوسط بطريقة غير مباشرة، كما سيساعدها الأمر في المفاوضات السياسية بشأن مستقبل سوريا، وغالبا سيتم استخدام الأكراد كورقة ضغط على الحكومة السورية أثناء المفاوضات. في المحصلة يبقى على الأكراد مُقاربة واقعهم ، خاصة في العراق وسوريا ، لأن حاضنتهم هي محيطهم الإقليمي وليست أميركا التي حاولت استخدام قضيتهم خنجراً إسرائيلية لتمزيق الكيانات، ولتبقى الهوية الوطنية السورية ضمانة الوجود الكريم للأكراد، فالضمانة الوحيدة للأكراد هي الدولة السورية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى