النسخة الرقمية

البعد الأخلاقي والاجتماعي في قوله تعالى: «خلقكم من نفس واحدة»

بعد حلول السكينة، وانتشار الرحمة في الحياة الزوجية، وبعد أن تجمع علاقة الأنس والمودة بين الزوجين، تتجلّى صورة النفس الواحدة، التي تحدّث عنها القرآن الكريم في آياتٍ متعدّدة، منها: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا)..(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا)..(وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجا)..إضافة إلى غيرها من الآيات التي تؤكّد هذا المفهوم..فما معنى النفس الواحدة؟ وكيف تتجلى؟ وما الأثر الذي تتركه في حياة الزوجين؟تعدّد تفسير النفس الواحدة التي وردت في الآيات، بين من عدّ أنّها الذات في الأصل، ثمّ استُعملت للتأكيد، ويُعبّر بها عن الروح. وبين من يفسرها بالنوع والشكل؛ بمعنى أنّ الله تعالى خلق من نوع الإنسان وعلى شكله زوجاً يبادله العطف والاطمئنان، وقيل قديماً: كلّ شكل إلى شكله ألِف..فالزواج أول مرحلة للخروج من حبّ الذات، حيث يشعر كلّ طرف بأنّه يحب شخصاً آخر كما يحب نفسه، ويصبح الاثنان واحداً. هذا بالطبع إذا تعلّق- حقيقةً- بالطرف الآخر وأحبّه،والمحبّة تزداد مع المعاشرة، والتواصل الدائم بين الزوجين، ويكون أثرها كبيراً بحيث إنّ شكليهما يتشابهان بالتدريج؛ أي إنّ روحيهما تتطابقان، فيؤدي ذلك إلى تطابق جسميهما، وتشابه شكليهما بالتدريج. وهذه أول مرحلة يخرج فيها الإنسان من نطاق النفس الفردية؛ ولهذا السبب عُدّ الزواج في الإسلام أمراً أخلاقياً، مع أنّ أساسه الشهوة. وهو الأمر الوحيد الذي له جانب أخلاقي في الوقت الذي يقوم على أساس طبيعي وشهواني؛ مثلاً: ليس للأكل جانب أخلاقي، ولكنَّ للزواج جانباً أخلاقياً…وبُعداً معنويا. خلاصة القول، إنّ الألفة والمودة هما أساس نجاح الحياة الزوجية، بهما تصبح النفسان نفساً واحدة، ولا يعود يعمل الشخص لأجل «الأنا» فقط، بل لأجل «نحن»، حيث يتعلّق بمصير شريكه؛ يبادله أفراحه وأحزانه، يتعب لراحته وأمانه. وعندها يعيش هو الراحة والسكينة، ويدرك حقيقةً معنى النفس الواحدة التي خلقها الله –سبحانه- بلطفه وحكمته، فيتوجّه إليه بخشوع مناجياً: «إلهِ بك هامت القلوب الوالهة، وعلى معرفتك جُمعت العقول المتباينة، فلا تطمئنّ القلوب إلا بذكراك، ولا تسكن النفوس إلا عند رؤياك. أنت المسبَّح في كلّ مكان، والمعبود في كلّ زمان، والموجود في كلّ أوان، والمدعو بكل لسان، والمعظَّم في كل جنان. أستغفرك من كل لذّة بغير ذكرك ومن كل راحة بغير أنسك، ومن كل سرور بغير قربك، ومن كل شغل بغير طاعتك».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى