اراءالنسخة الرقمية

بعد أن قضى العراقيون على الارهاب والإرهابيين .. هل سيقضون على «الفساد والفاسدين» ؟!

محمود الهاشمي
في نشوة الانتصارات على (داعش) تفاجأ العراقيون بإعلان رئيس الوزراء حيدر العبادي عن حملة (للقضاء على الفساد) أكد فيها انه سوف يقتص من (الفاسدين) ويسترد أموال الدولة التي سرقها (الفاسدون) وأوضح أن الحملة ستطول (الرؤوس الكبيرة) .
السيد العبادي استقدم منذ عام 2016م مجموعة من الخبراء الاجانب للعمل على كشف ملفات الفساد وخاصة الاموال التي سرقت في عهد النظام البائد أو صفقات (الفساد الكبرى) لاحقا .
لا شك أن ملف الفساد هو الأصعب بين كل الملفات التي تواجه أي مسؤول عراقي , باعتبار أن العراق صنّف على وفق بيانات منظمة الشفافية العالمية على انه الثاني عالميا بحجم الفساد , ولا يحتاج الأمر الى دليل , وقد توقفت حركة التنمية في البلد وشهد كسادا في جميع المجالات ربما لم يشهده في كل تأريخه . دعنا نقف عند مشروع (الكشف عن الفساد) أولا لان عملية (محاربة الفساد) هي الاعقد والتي ربما ستأتي لاحقا . ان عملية الكشف عن الفساد ليست بالأمر الهين لأنها ستواجه التحديات الاتية:-
1- المستهدفون مازالوا في السلطة ولديهم اليد الطولى في افشال المشروع , وقد رأينا هذا الامر جليا في قضية مدير عام التجهيزات الزراعية عصام جعفر عليوي , كيف القي القبض عليه وكيف هرّب وكيف أعيد ليحكم بعامين فقط , ويخرج من ساعده بالهروب بعد يومين بدعوى (شاب في مقتبل العمر) وهذه السيناريوهات تمددت على محافظين ورؤساء مجالس محافظات ووزراء يصعب احصاؤهم .
2- الاجهزة الرقابية التي عشش وفرخ وبيض الارهاب في ظلّها مازالت تعمل وقد تشكلت على وفق نظام (المحاصصة) ولا يستطيع السيد رئيس الوزراء أن يغير من حالها , ولو تمكن من ذلك لسد الشواغر من المناصب الوزارية والمدراء العامين والوكلاء والسفراء …الخ.
فأنه محكوم بذات (المحاصصة) التي أتت به وبسواه الى السلطة , وأن أراد غير ذلك واصطدم بـ(الرؤوس الكبار) حسب وصفه , فأنهم سيتربصون به في مجلس النواب , ويجد نفسه بين استجواب وآخر , خاصة وانه خسر الكثير من نواب حزبه , ناهيك عن أن أغلب الكتل السياسية واقعة في (دائرة التهمة) ولا تملك إلا الاصطفاف للمواجهة وقد خبرت الوسائل بدقة .
3- أن أية عملية كشف للفساد تقضي أجراء قضائيا وإذا كان القضاء عاجزا عن مواجهة (صغار الفاسدين) على مستوى مدراء عامين , كيف له ان يواجه (الفاسدين الكبار) , خاصة وان أجهزة القضاء والأمن خضعت لـ(المحاصصة) !! وإذا ما أراد ان يتبنى أحد القضاة والحكام مشروع السيد رئيس الوزراء , فمن سيضمن له حياته أو حياة أحد أفراد أسرته , ولدينا سجل طويل بالتهديد والوعيد وفي شؤون مالية صغيرة .
4- الخبراء الدوليون الذين تم استقدامهم لغرض كشف ملفات الفساد , سيتوقفون عند ملفات فساد أغلبها تمت خارج (الكتب الرسمية) وما تسمى بـ(القامسيونات) وهذه تحتاج الى اجراءات أمنية تتولاها أجهزة كشف الجريمة (المكافحة) ولابد من أدلة واعترافات و…الخ.
5- أغلب الاموال التي سرقت تم نقلها الى خارج العراق , لان البنوك العراقية والمصارف فقط تولت عمليات غسلها أما الايداع والاستثمار فقد استقرت في دول أخرى يحمل (اللصوص) جنسيتها الثانية وستجد هذه الدول تدافع عن (مواطنيها).
6- مع تعاقب الاعوام واستشراء الفساد الاداري والمالي في الدولة , تكونت داخل المؤسسات اشبه ما تكون بـ(المافيات) فيما وجدت لنفسها من يحميها سواء سياسيا أو امنيا وسوف تستفيد من الاموال المسروقة في الدفاع عن نفسها .
7- هناك مخطط وضحت بعض صوره في أن تكون هناك عملية (عقوبات شكلية) كما حدثت مع محافظ صلاح الدين والبصرة ومدير التجهيزات الزراعية وغيرها والهدف منها (اخفاء المال والمتهم).
8- هناك تسريبات اعلامية من أن الحكومة تسعى الى تشكيل (محكمة خاصة) تتولى محاكمة (الفاسدين) وهذه المحكمة تحتاج الى غطاء دستوري فليس في الدستور ما يسمح بمثل هذا التشكيل .
9- أية شخصية سياسية تقوم بمهمة محاربة الفساد تحتاج الى ثلاثة أمور:-
أ‌) رمزية قوية ومؤثرة لدى الاوساط السياسية والشعبية والأمنية والحكومية.
ب‌) إعداد خطة استراتيجية متكاملة قضائيا وامنيا وإعلاميا.
ت‌) أن تكون له كتلة سياسية داعمة (أغلبية) ومؤمنة بمشروعه .
ان واحدة من أكبر الاخطاء التي ارتكبت (الان) في محاربة الفساد أن المشروع قد تم الاعلان عنه دون استراتيجية اعلامية , فسارعت وسائل الاعلام (طبقا لتمويلها والتوجهات) الى الطعن بهذه الكتلة السياسية أو الشخصية وكأن موضوع الفساد مصمم لهم دون غيرهم, وبدأ التحامل والتسقيط السياسي على أوجه حتى اضطر رئيس الوزراء (الراعي للحملة) لمرات ان ينتقد وسائل الاعلام في ذلك حيث يصف (الفساد بالمافيا لامتلاكهم المال والإعلام) متناسين خطورة الاعلام وللأسباب الاتية :-
1- أن مجرد ايراد اسم أية شخصية في الاعلام بتهمة الفساد يعني عملية (تسقيط سياسي واجتماعي) .
2- سيقوم الاعلام غير الموجه بخلط الاوراق وفقدان بوصلة الكشف عن الفساد واستخدام (الابتزاز).
3- سيعمد الاعلام الى التعريض لشخص رئيس الوزراء (راعي الحملة) بوصفه جزءاً من العملية السياسية في البلد خلال مرحلة ما بعد عام 2003م , وقد عمل كنائب ووزير وترأس لجاناً برلمانية وفوق ذلك هو قيادي بحزب قاد الحكومة لمعظم الدورات التشريعية السابقة سواء في الحكومة الاتحادية أو مجالس المحافظات. وسيركز الاعلام على مقولة (فليرجمها من كان بلا خطيئة).
4- ستستغل الدول (المضادة) حرية الاعلام في العراق وتحول انتقاداتها (في موضوع الفساد) الى مشروع سياسي وأمني , تؤثر فيه على الشارع العراقي وتطلعاته. فليس من مصلحتها أن أن تتشكل في العراق عملية سياسية قوية وفاعلة فقد راهنت على فشلها .
5- عملية القضاء على الفساد تعني تراكم رأس المال ونشوء تجربة اقتصادية راسخة تعمل على البناء والاعمار وإعادة البنى التحتية من صناعة وزراعة وتطور في المجالات كافة , وهذا سيصطدم بإرادات دول وجدت في العراق سوقا رائجا لبيع بضاعتها وتوريدها.
نقول قبل أن يشرع أية شخصية سياسية عراقية في الدخول الى ميدان محاربة الفساد , ان يقرأ تجارب الدول الاخرى التي سبقتنا في ذلك, وهي وان كانت متنوعة وتختلف من دولة الى اخرى , ولكن هناك دولا مقاربة الى واقعنا مثل الهند أو الصين أو فيتنام وإيران , مرت بنفس ظروفنا في الحرب والفساد وانتصرت عليه وفق خطط معلومة ومكتوبة . ونرى أن الواقع السياسي الحالي لا يشجع كثيرا على خوض هذه المعركة التي لا تقل خطورة عن الحرب على الارهاب ونخشى من التوقيتات , وبين يدينا من الشواهد الكثير , في استجواب وزير الاتصالات في جلسة مجلس النواب من قبل أحدى النائبات , خرج جميع النواب ولم يبق في القاعة سوى (خمسين نائبا) مع ما موجود في ملفات الاستجواب من حقائق وصدق.
لذا لابد من التحضير للانتخابات المقبلة لتشكيل كتلة برلمانية كبيرة يتكئ عليها رئيس الوزراء في مشروعه في محاربة الفساد , وأن يهيئ الاجواء الداخلية والخارجية لذلك , فيما سيساعده الشعب بعدم انتخاب الفاسدين (ان اتعض) وربما ستفرز لنا الانتخابات المقبلة عناوين وأسماء جديدة قادرة على هذه المهمة , خاصة وان الشعب متوثب لسماع أخبار (السراق) وهم يحالون للقضاء لنيل جزائهم العادل .
برغم كل التحذيرات التي اوردناها , فنحن نعتقد أن الشعب العراقي يملك أن يثأر لنفسه ووطنه , من أولئك الذين اعتادوا ان يأكلوا المال السحت , وان يسرقوا ثروات الشعب , وأن فيه لغضبة يفقه معناها الذين قرؤوا تأريخ هذا البلد , وكيف اقتص من خونة الأمة ومن سارقي لقمته ومعطلي عجلة تطوره، وأن الساعة لموعدها قريب .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى