النسخة الرقميةثقافية

الخيبة الرابعة

سرور العلي

كان وجهه متجهماً وبدا هزيلاً وفرائصه ترتعد ويحمل بيده حقيبة جلدية سوداء قديمة يحيطها الغبار من كل جانب، كانت عيناه تتفحصانها بارتباك كأنه يهم بقول شيءٍ ما فتتعثر الكلمات وتتكسر الأحرف بين شفتيه. وكأن الجو هو الآخر شد رحاله وأعلن عن أمواج متلاطمة من الحزن والقلق وتقدم نحوها وهو ساهم.
قال بنبرة مضطربة: اغفري لي يا منى لقد خيبت ظنكِ للمرة الرابعة. ثم احنى رأسه وعاد مستدركاً: سأرحل اخيراً لبلاد أخرى عسى أن يكون الحال هناك أفضل.
صمتت ولم تغضب كعادتها، لم تبك كما كانت تفعل وهو يلقي عليها خطب الوداع، لم تجد الكلام الذي تعبر به عن خيبتها للمرة الرابعة وربما لمئات المرات سوى أن تفوهت بعدة كلمات.
ـ إلى اللقاء، لقد غفرت لك جميع المرات وأرجو أن تكون هذه المرة جاداً في رحيلك.
صعق وهو يرى كمية البرود واللا مبالاة في كلامها، ترى هل ما عادت تحبني مثلما كانت؟ أم تشك في حبي لها؟ لا أصدق.
رقصت إبتسامة كبرياء صغيرة على شفتيها وخرج صوتها كنصل السكين: والآن ماذا تريد؟ لم انت واقف هكذا؟
ما زال متسمراً في مكانه والدهشة تنطلق من عينيه والحقيبة تقبع بجانبه في رثاء: ماذا بكِ يا منى؟ لم كل هذه القسوة في كلامك؟
صرخت غاضبة: لقد مللت خذلانك، أرجوك أتركني وارحل! صمتت ملياً ثم استدركت: لا أريد رؤيتك مرة أخرى.
رمقها بنظرات تعجب وذهول، وارتجفت شفتاه، ولكنه لم ينبس بكلمة، حمل حقيبته وذهب. اشاحت بوجهها بعيداً عنه ولاحت إليها ذكرى تنهش في قلبها وهما يسيران على الشاطئ يضحكان ويدندنان بأغنية شعبية ومن حين لآخر، يتراشقان في المياه بأصوات ضحك عالية. عادت لوعيها فمسحت دموعها والتفتت حولها كان الشارع ينضح بالبشر إلا هو لم يعد موجوداً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى