النسخة الرقمية

أصالة موضوع ولاية الفقيه

عدّ الإمام قدس سره، أنّ معرفة المسائل العقائديّة والفقهيّة الإسلاميّة بما تشكّله من منظومة فكريّة متكاملة، تؤدّي بشكلٍ تلقائيّ إلى تصوّر نظريّة ولاية الفقيه والتصديق بها، ولا حاجة عند ذلك إلى دليل خاص: «ولاية الفقيه من الموضوع التي يوجب تصوّرها التصديق بها، فهي لا تحتاج لأيّ برهنة. وذلك بمعنى أنّ كلّ من أدرك العقائد والأحكام الإسلاميّة – ولو إجمالاً – وبمجرّد أن يصل إلى ولاية الفقيه ويتصوّرها، فسيصدّق بها فورا، وسيجدها ضرورة وبديهيّة. والسبب في عدم وجود أدنى التفات لولاية الفقيه، وفي أنّها صارت بحاجة إلى الاستدلال، هو الأوضاع الاجتماعيّة للمسلمين بشكلٍ عامّ، والحوزات العلميّة بشكلٍ خاصّ. وهناك أسباب تاريخيّة لأوضاعنا الاجتماعيّة نحن –المسلمين-، ولأوضاع الحوزات العلميّة « . فولاية الفقيه ليست ابتكارا علميّا جديدا إستحدثه الإمام الخمينيّ قدس سره، بل هو مبحث علميّ تعرّض له العديد من العلماء السابقين. يقول الإمام قدس سره: «وكما ذكرت في ما سلف أيضا، فإنّ موضوع ولاية الفقيه ليس موضوعا جديدا جئنا به نحن، بل إنّ هذه المسألة وقعت محلًّا للبحث منذ البداية… بحسب ما يُنقل، فإنّ المرحوم كاشف الغطاء قد تعرّض أيضا للكثير من هذه الأمور. وقد ذكرت لكم أنّه من بين المتأخّرين، فإنّ المرحوم النراقيّ يرى ثبوت جميع شؤون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للفقهاء. والمرحوم النائيني أيضا يقول: إنّ هذا المطلب يُستفاد من مقبولة «عمر بن حنظلة» . وعلى أيّ حال، هذا البحث ليس جديدا، وإنّما زدنا نحن البحث حوله فحسب، و وضعنا تشعّبات المطلب المذكور في متناول السادة لتتّضح المسألة أكثر. كما بيّننا، تبعا لأمر الله تعالى في كتابه، وبلسان نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم، بعض الأمور المبتلى بها هذه الأيّام، وإلّا فإنّ المطلب هو نفسه ما فهمه الكثيرون وذكروه» .
إنّ مفهوم ولاية الفقيه لم يبقَ في إطاره النظريّ بشكل مطلق قبل الإمام الخمينيّ، بل لقد طبّقه بعض الفقهاء أيضا في بعض الأحيان، وإن كان ذلك في مجالٍ محدودٍ. ويذكر الإمام الخمينيّ قدس سره نماذج عدّة لتدخّل العلماء ومراجع الشيعة في السياسة، وممارستهم لها وإصدار أحكام ولائيّة: «فحكم المرحوم الشيرازيّ في حرمة التنباك كان واجبا اتّباعه، حتّى من الفقهاء الآخرين أيضا. وقد اتّبع ذلك الحكم جميع علماء إيران الكبار، ما عدا بضعة أشخاص ، وهو لم يكن حكما قضائيًّا في خلاف بين بعض الأشخاص، بل كان حكما ولائيّا (حكوميّا) أصدره رحمه الله «بالعنوان الثانويّ» مراعاة لمصالح المسلمين. وكان الحكم مستمرّا ما دام العنوان موجودا. وبزوال العنوان ارتفع الحكم. المرحوم الميرزا محمّد تقي الشيرازيّ الذي حكم بالجهاد – وكان ذلك بصفة دفاع بالطبع – فقد اتّبعه بقيّة العلماء، لأنّه كان حكما ولائيّا (حكوميّا)» . يقول الإمام: «لم يتخلّ علماؤنا عن السياسة طبعا على امتداد التاريخ، فقد كانت قضيّة النظام الدستوريّ قضيّة سياسيّة، وقد ساهم فيها كبار علمائنا، بل هم الذين أسّسوها. وكانت مسألة تحريم التبغ مسألة سياسيّة أيضا، وقد أدارها الميرزا الشيرازيّ رحمه الله. وفي الآونة الأخيرة كان المدرّس رحمه الله، والكاشانيّ رحمه الله، رجلي سياسة أدّيا واجبهما على أحسن وجه» . ويلفت الإمام إلى عمق الأثر الذي كان يتركه تصدّي العلماء للشؤون السياسيّة، ومدى الخطر الذي شكّلوه على المستعمرين: «لقد أدرك هؤلاء مدى التأثير والنفوذ والمكانة التي يحظى بها علماء الدين في أوساط الشعب، ومدى خطرهم على مصالحهم وأهدافهم الاستعماريّة في المنطقة، وذلك من خلال عدّة صفعات تلقّوها على أيدي هؤلاء. كانت أولاها تلك الصفعة المؤلمة التي تلقّوها على يد المرحوم الميرزا الشيرازيّ قبل مئة سنة، حيث استطاع – وهو الشيخ الهرم الذي يعيش في إحدى قرى العراق النائية «سامراء»، وبسطر واحد – أن يلغي اتّفاقيّة التنباك المذلّة والمبرمة بين الإنكليز وناصر الدين شاه، تلك الاتفاقيّة الاقتصاديّة في الظاهر والاستعماريّة في الجوهر، التي تهدف إلى أسر إيران وإخضاعها للإنكليز. فقد لاقت هذه الفتوى تفاعلا وتجاوبا شعبيّا منقطع النظير، نفذ إلى أعماق بلاط الشاه وأقربائه وحاشيته، بحيث كسر هؤلاء نارجيلاتهم امتثالًا لهذه الفتوى. وفي أماكن أخرى أُحرقت كمّيّات كبيرة من التنباك غالي الثمن في الساحات العامّة. لقد كان لهذه الحادثة دور كبير في جعل هؤلاء يناصبون العداء لعلماء الدين، ويسعون لإضعاف نفوذهم والقضاء عليهم. مضت السنون واستعرت نيران الحرب العالميّة الأولى، واقتضت طبيعة مجريات الأحداث أن يشنّ الإنكليز هجومهم على العراق ليحتلّوه، ولكن مرّة أخرى ظهرت تلك العمامة من بين الجموع، لتصدر حكمها وتعطي أوامرها بالجهاد العامّ، والدفاع عن حرمة الإسلام والوطن من أن تُدنّس. ولبّت جموع المسلمين النداء لتهزم الإنكليز وتدحرهم، لينجو العراق وشعبه من شرّهم. إنّها الصفعة الثانية، ولكن هذه المرّة على يد شيرازيّ ثانٍ، وهو الميرزا الشيخ محمّد تقي رحمه الله. مرّة أخرى عادت العمامة لتثبت وجودها ودورها الفعّال والمؤثّر في القضايا المصيريّة للأمّة. وهذه المرّة مجموعة من علماء النجف وعلماء طهران، يسعون لوضع حدّ لاستبداد الحكومة والديكتاتوريّة الداخليّة، وذلك من خلال قيامهم بحركة الدستور التي انتهت بوضع دستور جديد يحدّد للشاه والحكومة وظائفهم وحدود صلاحيّاتهم. لقد كانت هذه بمثابة صفعة ثالثة للإنكليز على يد علماء الدين، من خلال تحجيم دور عملائهم في الداخل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى