ذات غفوة

نعيمة قربع/ تونس
أوصلني الحلم خارجه، وقف عند الباب يودّعني ويوصيني خيرا بنفسي. كان ودودا لطيفا حنونا صبوح الوجه جميلا برغم أنّ الزّمن قد تناوله بالهرم وبعض تجاعيد. تردّد خجلي قليلا ثمّ شجّعني لطفه على الانهيار بين يديه، بكيت كما لم أبك أبدا وتوسّلت إليه أن أبقى، قلت له كلّ شيء عنّي، قلت له إنّي بلا عائلة ولا بيت وإنّ أبي الذي كان حارسا بإحدى الضّيعات قد مات، فأخرجني صاحب الضّيعة من كوخ القشّ الذي ظننته بيتي.. رماني خارجا كقطّة جرباء متشرّدة. قلت له: لا أحمل همّ النّهار، أتوارى بين الأشجار أو حتّى في الحفر، وكلّ أعمال الرّيف أتقنها. تعرف الأرض كدحي جيّدا، أحلب البقر، أجمع الطّماطم والتّفّاح واللّوز والسّنابل السّاقطة, أجني الزّيتون. وإذا جعت تشبعني أعشاب الحقول. وحده اللّيل همّي وشاغلي، يطردونني كلّ ليلة من محطّة القطار فيتلقّفني جدار المدرسة الإبتدائيّة أو باب المسجد المغلق. يضربونني بشتائم قبيحة، يتوعّدون أنوثتي بالذّبح والسّلخ إذا اقتربت من جدار أحدهم، يقذفونني بالحجارة كأنّي كلبة مسعورة. وأنا و اللّه ما بي سعار ولا عهر و لا طمع، كلّ ما بي حاجة إلى سقف ليلا. تصوّر في هذا الرّيف الواسع الشّاسع ذي البيوت كمراكض الخيل لا أجد لي كوخا مأوى سقفا حتّى في اصطبل أو زريبة مواش، لا أستطيع أن أغادر، فأنا لم أجرّب السّفر قطّ، وأخافه كما العراء وأكثر. تصيبني المدن بالرّعب وترجف ساقاي فزعا وارتباكا إذا رأتا الطّريق المعبّدة. ثمّ إنّ الرّيف البسيط شرّدني فما تراها تفعل بي المدن؟ و أنا لا أتقن الحديث مع النّاس، وجاهلة لم أعرف من المدرسة غير جدرانها الخارجيّة، ولا أملك بطاقة تعريف، ولم أحتجها يوما. يقولون إنّهم يستعملونها في الانتخابات أو في مكتب البريد.
وأنا ليست لي جراية ولا أحد يبعث إليّ بمال ولا أحد احتاج يوما إلى صوتي. قلت له: أنا لا أنام ولا أصحو لأنّ العراء ينهشني نهشا، لذلك أنا في حاجة إلى سقف، وسأكون مقابله خادمة، أغسل أطبخ أنظّف أقدّم الدّواء في مواعيده، سأعمل كبغل مقابل سقف، وليكن سقف مطبخ أو حتّى بيت كلب في الحديقة.
أحاطني العجوز اللّطيف بذراعيه كما أب، مسح دموعي و لملم قطع خاطري المكسور. التقط وجعي فتسرّب كرمل بين أصابعه الواهنة، وقال: أنا أيضا بلا بيت ولا أهل، أحطّ كطائر مهاجر على بيوت الأصدقاء ولا أطيل. التقيتني ذات غفوة والتقطتك ذات صدفة، كنت مغشيّا عليك تعبا وجوعا وخوفا، ساعدتك كما أستطيع، لكن لا تعوّلي، هي وحدها الصّدفة ترتّب اللّقاءات الجميلة وهي وحدها الغفوة صوّرتني جميلا. أنا عجوز فقير أصابه الوهن ومتّهم بالخرف.



