قراءة في كتاب جامعية القرآن الكريم بحث في الحدود الموضوعية للقرآن

لم تُحسم بعد حدود النصّ القرآني، فقائل يرى أنَّ القرآن الكريم جامع لكل صغيرة وكبيرة في الحياة، فهو الموسوعة الكبرى، ويستدل لذلك بقوله تعالى:{مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ} (الأنعام: 38)، وقوله تعالى:{وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَـؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} (النحل:)، فيستدلون بالقرآن على إثبوقائل يقصر النصّ القرآني على جزئيات يسيرة من العقيدة والشريعة والأخلاق، ويستدل لذلك بدور السنة في بيان تفاصيل العقيدة والشريعة والأخلاق، فينفون عنه ذلك دون أن يتركوا حسم الأمر إلى البحث والتحقيقي وفي خضم هذا التنافس الإثباتي ينبغي الاشتغال بالبحث والتحقيق لإثبات تلك الحدود، التي هي في اتساع مستمر، وكشاهد على ذلك أنَّ مُفسِّري القرآن قبل أكثر من قرن من الزمان لم يكونوا ملتفتين إلى الآيات الكونية الآفاقية ودقة التوصيفات القرآنية لها، وإن كانت مجملة، حتى جاء التفسير العلمي التجريبي ليفتح أمامنا آفاقاً جديدة في الفهم والتطبيق.وقد حاول المؤلف في هذا الكتاب أن يبحث في الحدود الموضوعية للقرآن الكريم ومحاولة إثباتها, وأن يوقف القارئ على مديات هذه الجامعية أو الشمولية؛ ذلك أنَّ رسالة كل نبي هي تسلم الوحي التشريعي، وهذا الوحي يكون نص الرسالة وجوهرها، وأنَّ نزول أي رسالة تكون بمقدار القابلية الوجودية لمتلقيها، ولما كان النبي الأكرم(ص) أكمل الناس وأفضل الأنبياء(ع)، وشريعته تمثل آخر مرحلة من مراحل البرنامج الإلهي للبشر؛ لذلك جاء القرآن الكريم متمتعاً بجامعية في مقابل سائر الكتب السماوية الأخرى، وأنَّ من جملة الخصائص التي ينسبها القرآن إلى نفسه، وسِعة نطاق الأمور المطروحة فيه هي الجامعية والشمولية,إنَّ الحاجة للبحث حول الحدود الموضوعية للقرآن تلبية لمتطلبات عصرنا وأجيالنا الصاعدة تختلف عما هو عليه في السابق؛ ولعل السبب في ذلك يعود إلى أنَّ مسألة التعرُّف على حدود الوحي بالصورة الحالية غالباً ما تُطرح لغرض حل التعارض بين العقل والوحي، وهذا المنهج لم يكن مطروحاً في المجتمعات الإسلامية السابقة بهذه الأهمية؛ وذلك لأنَّه:
• كان القرآن يُشجع على استخدام العقل في كشف الحقائق، ولم تكن تشعر تلك المجتمعات بوجود تعارض بين العقل والوحي.
• إنَّ العلم التجريبي لم يجد تلك التوسعة والدقة التي تجعله يتمكن من مواجهة المعطيات الوحيانية.
لقد وردت شبهات من الغرب المسيحي عن طريق بعض المفكرين بالتزامن مع تأسيس الحكومة الإسلامية في إيران القائمة على أساس القوانين الإسلامية والقرآن، وقد أدَّت هذه الشبهات إلى طرح مسألة الكشف عن حدود القرآن الكريم بجدية أكثر، وتدوين الكتب والمقالات القيِّمة حول جامعية القرآن الكريم وحدود الدين.
هذا ويمكن دراسة الحدود الموضوعية للقرآن من جهتين:الأولى: من خلال السؤال التالي: ما الموضوعات التي تناولها القرآن؟ وهل جميع المسائل الدنيوية والأخروية للإنسان تندرج ضمن حدود القرآن؟والجهة الثانية: من خلال السؤال التالي: ما مقدار ما تناوله القرآن الكريم من هذه المسائل؟وإنَّ الهدف الأساس من هذا الكتاب هو البحث حول الجهة الأولى، حيث نسعى لدراسة جميع الأدلة المتعلقة بذلك بدون أي فرض مسبق، والحصول على الحدود الموضوعية للقرآن الكريم التي لها ظاهر وباطن.وقد حاول المؤلف الوقوف على مقدار سعة نطاق الأحكام والمعارف في القرآن الكريم؛ ولماذا يكون الانتفاع الكامل من هذا البرنامج الإلهي والوفاء به مرهوناً بالتسليم العلمي والعملي لمعارفه وأوامره؟
وقد افترض المؤلف أن هكذا أمراً لا يتيسر إلا عندما تتحدد الوظائف التي بيَّنها القرآن للمتدينين، ويتعيَّن البحث العلمي الذي يجب على العلماء المؤمنين مراجعته في القرآن، ويجعلون معطياته مَحَكاً لتقييم صحة نتائجهم أو عدم صحتها. وفي الختام، نتمنى للقارئ الكريم الإفادة من معطيات هذا البحث القرآني بما يخدم الحركة الفكرية, وبما يساهم في تنقية القيمة المعرفية القرآنية . ات موسوعيته!



