کلمة التوحید و توحید الکلمة
انّ الهدف الاَسمى لجمیع الرسل هو مکافحة الشرك وتحطیم قلاعه، قال سبحانه: (وَلَقَدْ بَعَثْنا في کُلِّ أُمّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوت)وقد أضحت مسألة التوحید والشرك من المسائل الهامّة في عصرنا هذا، لا سیما أنّها صارت ذریعة لتشتیت الصفوف وتمزیق الوحدة الاِسلامیة، مع أنّ الواجب على کلّ مسلم الحفاظ على توحید الکلمة وتعزیز أواصر الاَخوَّة.فقد بُني الاِسلام على کلمتین: «کلمة التوحید» والشهادة على أنّه لا إله إلاّ اللّه ونفی أُلوهیة و ربوبیة کلّ موجود سواه، و«توحید الکلمة» والاعتصام بحبل اللّه المتین والنهي عن التفرق والتشتت وراء مسائل هامشیة لا تمسُّ ـ في کثیر من الاَحیان ـ جوهرَ الاِسلام، ورائدُنا في الدعوة إلى الوحدة وحفظ کیان الاِسلام، قوله سبحانه: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمیعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْکُرُوا نِعْمَتَ اللّهِ عَلَیْکُمْ إِذْ کُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَیْنَقُلُوبکُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَکُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأَنْقَذَکُمْ مِنْها کَذلِکَ یُبَیِّنُ اللّهُ لَکُمْ آیاتِهِ لَعَلَّکُمْ تَهْتَدُونَ)..ولو سبرنا أقوال النبي (صلى الله علیه وآله وسلم) وسیرته العملیة نلمس منها اهتماماته الکبیرة بتوحید الکلمة ولمّ الشمل، فانّ الوحدة هي دعامة القوة والرفاهية ونیل السعادة، کما أنّ التفرقة هي بوَرة الضعف والشقاء والاندحار..ولنقتصر من سیرته وکلامه (صلى الله علیه وآله وسلم) على الاَمور التالیة:
• قدِم النبیص یثرب، و الاَوس و الخزرج یقودان جمله وشبّانهم یطوفون حوله وکانت القبیلتان هما الحجر الاَساس لبناء الدعوة الاِسلامیة، ولکن کان بین الطائفتین قبل اعتناق الاِسلام حروب طاحنة أسفرت عن مصرع العدید منهم و کانت البغضاء والعداوة متفشیة بینهم، وفي تلك الظروف هبط علیهم النبي ورأى ضرورة رأب الصدع وتقریب الخطى بین القبیلتین بل جعْلَهما اخوین متحابین ومتراحمین.فأوّل خطوة قام بها هي التآخي بینهما حسماً لمادة الخلاف وإنساءاً للماضي.
• انتصر المسلمون على قبیلة بني المصطلق، فبینا رسول اللّه على مائهم نشب النزاع بین رجل من الاَنصار و رجل من المهاجرین، فصرخ الاَنصاري، فقال: یا معاشر الاَنصار، وصرخ الآخر، وقال: یا معشر المهاجرین، فلما سمعهما النبی صقال: دعوها فانّها منتنة…یعني انّها کلمة خبیثة، لاَنّها من دعوى الجاهلیة، واللّه سبحانه جعل الموَمنین إخوة وصیّرهم حزباً واحداً، فینبغي أن تکون الدعوة في کلّ مکان وزمان لصالح الاِسلام والمسلمین عامة، لا لصالح قوم ضد الآخرین، فمن دعا فی الاِسلام بدعوى الجاهلیة یعزر.فالنبي (صلى الله علیه وآله وسلم) یصف کلّ دعوة تشقّ عصا المسلمین وتمزق وحدتهم بأنّها دعوى منتنة، وکیف لا تکون کذلك وهي توجب انهدام دعامة الکیان الاِسلامي.
إنّ أسالیب الاَعداء في إثارة الفتن لا تعدُّ ولا تُحصى، ولهم مخططات مختلفة حسب ما تقتضیه الظروف والبیآت.فالعقل یفرض على المسلمین رصَّ صفوفهم، وتوحیدَ کلمتهم بغیة الوقوف أمام تلك الخُطط والموَامرات .إنّ مسألة التوحید ونبذ الشرك من المسائل الهامّة التي تعد الهدف الاَسنى للاَنبیاء والمرسلین وکبار المصلحین. فالتوحید رمز الاِسلام وعزّة المسلمین .هذا ومع الاعتراف بأهمیته ولکن وجدت ـ من خلال البحث في التوحید والشرك ـ مسائل هامشیة صارت ذریعة للاختلاف و وسیلة للتشتت فآثرنا في هذه الرسالة المتواضعة استنطاق القرآن الکریم في هذه المسائل والاستنارة بنور السنة النبویة التي اتفق المسلمون على کونها المصدر الثاني للعقیدة والشریعة بعد الذکر الحکیم.وأخیراً ندعو المجتمع الاِسلامي إلى ما دعا به القرآن الکریم، وقال: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِیعاً وَلا تَفَرَّقُوا) .فالمسلمون ملّة واحدة یجمعهم إله واحد، وکتاب واحد، ودین واحد، وشریعة واحدة فما یجمعهم أکثر ممّا یفرقهم.



