النسخة الرقميةثقافية

انا ريحانة صديقي الشهيد

اكرم جودة

كان دائماً يمشي خلفنا نحن اصدقاؤه الاربعة، عندما سألته: لماذا لا تمشي بجانبنا؟ قال: لكي لا يكون لي اثرٌ بينكم، حين تفقدونني لن يكون هناك الكثير من المواقف التي تذكّركم بي، والتي من الممكن ان تجعل دموعكم تُذرف، ان كنتم حقاً اصدقاء ـ قالها مازحاً ـ. كان «ياس» جندياً شجاعاً في صفوف الفرقة الذهبية البطلة، كلامهُ هذا كان مبنياً على موتٍ يرافقهُ في كل التحاقٍ له. في مجاميع الاصدقاء دائماً ما تجد صديقين مختلفين في علاقتهما، انا و»ياس» كُنّا وجهين لعملة واحدة. ذات مرة قال لي: كان مولاي الحسين (ع) ريحانة رسول الله (ص). قلت له: اعلم ذلك. قال: وهل تعلم انك ريحانتي؟! اغرورقت عيناي بالدموع، حسبتها كلمات الوداع الاخير، كلمات آخر لقاء، كانت هذه آخر التحاقة اليه. في احدى صباحات آب كنت ذاهباً الى العملِ، رنّ هاتفي، اسم المتصل «ياس»، غريب منذ زمن بعيد لم يتصل بي «ياس» في هذا الوقت. فكرت قليلاً، اها، اظنه يحتاج رصيداً، لعلهُ يريد الاتصال بالانترنت. نعم كذلك، لان اخر هجوم للعمليات كان ليلة البارحة مُكللاً بالانتصارات، قد يكون متفرغاً الان. رفعت سماعة الهاتف «الو.. هل حضرة جنابك والد «ياس» او اخوه؟ وجدت في هاتفه في اخر المكالمات رقمك باسم ريحانتي». لم استطع الرد عليه، جفّت عروقي كأني في شهر تموز، تجمدت اعضائي كأني في شهر شباط، وتوقف سريان الدم في جسمي، وتساقطت دموعي كاوراق الخريف. لم استطع الرد، آخر ما قاله المتصل البقاء لله، يرجى الحضور لمطار المثنى لتسلم فقيدكم. كان الطريق بين بغداد والناصرية يستغرق نحو 4 ساعات. وصلنا الى بغداد برفقة عائلة «ياس»، كل شيء كان اسود، التوابيت والامهات والاباء والاخوان، الجميع يرتدي الاسود حتى حقائب الشهداء، فتحت حقيبة الموت التي كانت تحتوي «ياس»، قبلته من فمه، شقت ام «ياس» جيبها، لعلها رسالة للعالم تقول بها مع سقوط ابنها على الثرى قد سقط الشرف. بعد ان عدنا به الى بيته الذي دخله محمولاً على غير العادة, توجهنا به الى مثواه الاخير في وادي السلام، كل شيء كان حزينا حتى الموتى، فقط الدفان كان مستبشراً بالحرب، لعله لم يحصد هكذا رزقاً منذ وقت طويل. كانت عيناي تحرقانني من شدة البكاء، ظننت انني اذا بقيت هكذا لساعة سوف اصاب بالعمى. رمال المقبرة كانت حارة جداً جداً، آب اللهاب كما عرفناه من اجدادنا وكما رأيناه في حياتنا لم يرحم بحبيب الله الشهيد «ياس». نفّذت وصية «ياس»، وهي ان اقطع وصلة قماش من كفنه واعطيها لحبيبته «سمارة» بعد استشهاده. كانت بعيدة عن بيت «ياس: بنحو 15 كم، اتصلت بها من هاتف «ياس» واعطيتها قطعة الكفن، وأدرت وجهي عنها ومشيت وكُلي خجل. بعد مرور دقيقة سمعت صراخ امها وهي تركض الى الشارع تنادي «سمارة ماتت.. سمارة ماتت», بكيت ، ليس على «سمارة» بل على نفسي، لم اكن وفياً لـ»ياس» بقدر ما كانت «سمارة» كذلك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى