الاخيرةالنسخة الرقمية

غرامة الضوضاء تصل الى مليون دينار سيمفونية بائع الغاز أم كلثوم وناظم الغزالي .. موسيقى يتفنن بها أصحاب المهن الحرة

تحقيق- مرتضى العزال
بين قرار الحكومة بوضع نغمة المسلسل الديني (يوسف الصديق) لبائعي الغاز وبين انغام المسلسلات التركية مثل مراد علم دار وأنغام المطرب إبراهيم طاطلس وأنغام عراقية وأجنبية مختلفة، يستيقظ محمد جبار صباح كل يوم، على أصوات موسيقى لأغنية ألف ليلة وليلة، بجسده المتعب، ونبض سريع وملامح عبوسة، لينهض من فراشة متثاقلا وخائفا، من أين هذه الأصوات، هل هو في حفلة أم ماذا ؟. فأدرك محمد أنَّه ليس في كرنفال لأم كلثوم أو فريد الأطرش أو ناظم الغزالي، بل صوت سيمفونية بائع الغاز الصباحية.
إزعاجات صباحية
لم يشأ محمد ان يعرض حالته علينا، خوفا من قطع أرزاقهم، وكان يتجاوز الإزعاج الذي يعاني كل يوم، غير مبال بالأصوات التي تعلو حتى في العطل الرسمية. وانتشرت في بغداد في السنوات الأخيرة الماضية، سيارات بيع الغاز التي تعلوها مكبرات الأصوات أو «التكتك» الذي يمر بالأزقة والشوارع ويضع أبواقا خاصة بالبواخر تطلقها للتنبيه.
ويروي فاضل علي وهو موظف في الثلاثين من عمره: أعاني من مشكلة تلك الأصوات المزعجة التي تطلقها سيارات الغاز و»التكتك»، وبطريقة لا تحترم الأهالي، ولقد تشاجرت أكثر من مرة معهم، لكن دون جدوى يأتون في اليوم الثاني كالعادة متجاهلين كلامنا. ويتساءل فاضل: «لا اعلم ما موقف الحكومة المحلية بشأن الظاهرة ؟ فأنا لا اقصد قطع أرزاق الناس، لكن هنالك خصوصية تتعارض مع كل هذه الفوضى التي يخلفها أصحاب سيارات الغاز، يجب ان يحدد أوقات معينة لبيع الغاز وليس في ساعات الصباح الأولى وهم يوقظون الناس والأطفال بهذه الطريقة».
بين حانه ومانه ضاعت لحانة
وكان مجلس النواب قد صوت في أيلول 2015 على مشروع قانون السيطرة على الضوضاء، إلا ان ناشطين أكدوا بأن هذا القانون مجرد حبر على ورق، لم يتم تفعيله، فلا تزال الفوضى تعم الأحياء والمدن، وان الحكومة طالبت الجهات المعنية بتحويل الأبواق الى موسيقى لكننا لم نسلم من الحالة، فبدت الموسيقى على اشكالها، وأحيانا هنالك موسيقى ليست لها علاقة بالغاز بل بحفلة موسيقية صاخبة. وتضمن قانون السيطرة على الضوضاء الذي اقره البرلمان في ايلول 2015 غرامة تصل الى مليون دينار عراقي.
ويقول مسلم تحسين وهو احد باعة الغاز المتجولين ان سبب لجوئي الى مثل هذا العمل هو بسبب قلة العمل وصعوبة الحياة وأنا المعيل الوحيد لعائلتي فقد تحملت صعوبة هذا العمل وأحيانا أتعرض للسب والشتم من قبل بعض الأفراد. ويضيف: حرارة الجو في الصيف وبرودته في الشتاء لا يمكن ان توقفني فانا اخرج للعمل من الصباح الباكر وأعود عند غروب الشمس وبرغم كل ذلك انا مستمر في عملي لأنه سبيلي الوحيد، مطالبا الحكومة بتوفير فرص عمل رسمية ضمن اختصاصاتنا من أجل ان اترك هذه المهنة واعمل بقانون تحت غطاء الدولة.
نغمات موسيقية لا تليق
بقدسية المدن
وانتقد عدد من المواطنين من محافظة كربلاء فوضى النغمات الموسيقية لبائعي اسطوانات الغاز من خلال عزف أنغام مختلفة تؤثر على الذوق العام وعلى خصوصية المدينة المقدسة.
وقال المواطن حسين جليل، ان بائعي الغاز اخذوا يتفننون بعزف الموسيقى في شوارع المدينة وفي الأزقة والطرقات دون الاخذ بعين الاعتبار انها مدينة مقدسة وان الاخرين لا يتفقون على سماع الاغاني. وأشار الى ان قرار الحكومة بوضع نغمة المسلسل الديني (يوسف الصديق) كان قرارا جيدا في ذلك الوقت كون بائعي الغاز كانوا يقومون بإزعاج المواطنين لكن هذا الامر لم يطبق بالشكل الصحيح لأننا نلحظ اليوم ان نغمة المسلسل الديني لا تعزف هي فقط بل تعدى الأمر الى وضع انغام لمسلسلات تركية مثل مراد علم دار وغيرها من المسلسلات وأنغام للمطرب إبراهيم طاطلس وأنغام عراقية وأجنبية مختلفة. وطالب المواطن سامي كاظم الجهات المسؤولة بوضع اجراءات رادعة بحق المخالفين واعتماد النغمة الموحدة وهي نغمة المسلسل الديني (يوسف الصديق). وبين ان هذا الامر لابد من معالجته في اسرع وقت ممكن من قبل الجهات المسؤولة في كربلاء أما المواطن محمد خليل قال ان البعض يقوم بوضع مكبرات صوت عالية لكي تصل الموسيقى الى أكثر عدد من المواطنين. يذكر ان الحكومة المحلية وضعت قبل أكثر من عام قراراً يجبر بائعي اسطوانات الغاز موسيقى موحدة وهي (مسلسل النبي يوسف الصديق) اثناء التجول وبيع الغاز بعد الشكاوى المتكررة من الاصوات المزعجة. ومن محافظة النجف الاشرف قال حسين احمد وهو دكتور في مستشفى الصدر الحكومي، ان هذه الأصوات والموسيقى التي يستعملها بائعو الغاز تؤثر على المرضى وتعرقل عملية معالجتهم ، فالمريض يحتاج الى أجواء خاصة تتسم بالهدوء من أجل تلقيهم للعلاج بصورة صحيحة وتماثلهم للشفاء ونحن كأطباء نطالب الحكومة بوضع قوانين والعمل على تفعيلها للحد من هذه الظاهرة. وأضاف لؤي احمد وهو احد المرضى في تلك المستشفى قائلا: اننا نعاني من هذه الظاهرة وأنا على الصعيد الشخصي هذه الأصوات تسبب لي القلق والاضطراب النفسي اذ ان أصحاب السيارات و»التكتك» يتجولون في وقت مبكر من الصباح مما يتسبب باستيقاظي من النوم وهذا لا يتوافق مع تعليمات الطبيب فيسبب عرقلة في عملية تلقي العلاج.
سلوكيات مزعجة غير ممنهجة
ويعلق الباحث الاجتماعي في جامعة بغداد كلية الإعلام الدكتور احمد كامل ان للموضوع أبعاداً تتعلق بطبيعة المجتمع وسيكولوجية الإنسان العراقي اذ ان في هكذا مجتمعات تسود سلوكيات تعبر عن منهج العنف والقوة لان البناء الاجتماعي والنفسي قائم على اعتبار ان اي شيء ممكن ان يؤخذ بالعنف السلوكي خاصة فنجد حتى في المدارس والبيوت والأسر تسود فكرة الصوت الاعلى هو الابقى والأصلح للبقاء في حين ان الصوت الهادئ الرصين الخلوق يبقى خافتا في ظل هكذا مجتمعات لا تعطي قيمة للإنسان وراحته ورفاهيته. وأوضح: اعتماد معايير القوة والسلوكيات المزعجة للآخرين لأخذ حقوقها وهي بالحقيقة تعبير عن نقص نفسي وعدم اهتمام براحة الناس وإحداث قلق نفسي لديهم خاصة وان هناك المريض والكبير بالسن. وبيّن: الاخطاء حالة اجتماعية سائدة ونفسية لدى كل شخص تعبر عن احترامه للآخرين بعدم إشاعة هذا النوع من التلوث السمعي الذي هو جزء من تلوث هائل أصاب المجتمع العراقي مثل التلوث البصري والمائي وتلوث الهواء والتربة فهي كلها مجتمعة بسبب ممارسات وسلوكيات اجتماعية ونفسية فردية أو جماعية تؤشر ان المجتمع لا يعيش استقرارا أو راحة أو تماسكا تاما. ويدعو الى الاهتمام بالظواهر وإيجاد حلول لها من خلال التوعية بمخاطرها النفسية والصحية واعتماد آلية للقضاء على الضوضاء والضجيج والإزعاج التي تسببت بإحداث قلق وضعف في بناء المجتمع وهي مسؤولية مشتركة بين الدولة والشعب و وسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني ووزارة الصحة وكل الوحدات والمعاهد البحثية التي تهتم بدراسة وتشخيص هكذا ظواهر».

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى