لماذا شدّد الإسلام على الوفاء بالعهود ؟
شدد الإسلام كثيراً على الوفاء بالعهود، والالتزام بالمواثيق والاتفاقات، وأداء الأمانات إلى أهلها، وقد بينت بعض النصوص بعض أسباب هذا التشديد. فمن هذه الأسباب:
• الوفاء صفة إلهية، والله يحب العبد الوفي لكونه متصفاً بصفته:يقول تعالى: {… وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم}.ففي هذه الآية يبين تعالى أن الوفاء الأعلى والأرقى موجود عنده، فهو تعالى أوفى الأوفياء، ومن الطبيعي أن يحب تعالى كل من كانت فيه هذه الصفة من المخلوقات.
• كون الوفاء من التقوى:يقول تعالى: {…بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ واتَّقى فَإِنَّ اللَّهً يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ}فمن يفي بالعهد، ويتقي المحرمات فهو محبوب عند اللَّه.. وجاء في الحديث عن النبي انه قال: «ما من شيء في الجاهلية الا هو تحت قدمي الا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر»وقال الإمام زين العابدين (ع): «عليكم بأداء الأمانة، فوالذي بعث محمدا بالحق نبيا لو أن قاتل أبي الحسين بن علي (عليه السلام) ائتمنني على السيف الذي قتله به لأديته إليه «[4]. وقال الإمام جعفر الصادق (ع): «ثلاثة لا عذر فيها لأحد: أداء الأمانة إلى البر والفاجر، وبر الوالدين برين كانا، أو فاجرين، والوفاء بالعهد إلى البر والفاجر..». ومن هنا اتفق فقهاء الشيعة الإمامية على ان الكافر إذا أعلن الحرب على المسلمين يحل دمه، ولكن لا تجوز خيانته، فلو افترض انه كان قد أودع مالا عند مسلم وجب على المسلم أن يرد له أمانته، مع العلم بأنه يجوز له قتله، ونهب أمواله غير الأمانة.
• كون الوفاء من أساسيات الدين الإلهي الذي أنزله الله على البشر لإيصالهم إلى الكمال واللياقة الإنسانية:يقول تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ولا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ}.
• كون الوفاء من أسس الأخلاق التي حث الدين عليها والتي يتحقق من خلالها نظم المجتمع الإنساني:فمجموع الآيات والروايات التي وردت في الحث على الوفاء بالعهود والعقود وأداء الأمانات، تدلنا ان الإسلام يرتبط بالأخلاق ارتباطا وثيقا، ومن ثم أوجب الوفاء بكل التزام وتعامل يقع مع الغير، وعدّه تعاملا مع اللَّه والتزاما له بالذات، حتى ولو كان الطرف الثاني ملحدا، على شريطة ان لا يتنافى الالتزام مع المبادئ الأخلاقية، والا وقع باطلا..وكذلك الحال بالنسبة إلى القضاء وفصل الخصومات، حيث أوجب الإسلام على القاضي أن يصغي إلى صوت الضمير وحجة الأخلاق قبل أن يستمع إلى أقوال المتخاصمين
إن النظرية الأخلاقية هي الركيزة الأولى للشريعة الإسلامية بجميع قواعدها وأحكامها، دون استثناء، ومن أجل هذا هدد اللَّه الذين ينكثون بالعهد، ويغدرون بالأمانة بما لم يهدد به أحدا من مرتكبي الكبائر والجرائم، وذلك حيث يقول عز من قائل: {أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ولا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ}. أما السر لهذا الحرص الشديد على الوفاء، والتهديد على مخالفته فهو الحفاظ على المصالح، وتبادل الثقة بين الناس، وصيانة الحقوق التي هي أساس الأمن والنظام.



