الظواهر القرآنیة

الحمد لله الذي لا یخلف وعده وهو ناصر رسله ومضت إرادته أن یمنَّ على الذین استضعفوا في الأرض ویجعلهم أئمّة ویجعلهم الوارثین، ثمّ الصلاة والسلام على الرسول الشاهد على خلقه المبشّر بأنَّ المهدي من ذرّیته، وعلى خلفائه من أهل بیته الموعودین باستخلافهم في الأرض وتمکین الدین لیظهروه رغم کره الکافرین الجاحدین لهم.فإنَّه تعالى قال: (وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ کُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَکْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ کُفُوراً) ، فلا یخلو الکتاب العزیز من الإجابة عن أيّ سؤال تحتاجه البشریة في مسیر هدایتها إلاَّ وقد ذکره وبیَّنه من خلال مثل لکنَّه تعالى أشار أنَّ تلك الأمثال تحتاج إلى قراءة عقلیة بأداة علمیة لتظهر الإجابة حیث قال عزَّ اسمه: (وَتِلْك الأْمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما یَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ)،فالأمثال القرآنیة جواب یُقرأ بالتفکّر، ومن تلك الأمثال قصص الأنبیاء (علیهم السلام) فهی (عِبْرَةٌ لأِولِی الأْلْبابِ ما کانَ حَدِیثاً یُفْتَرى وَلکِنْ تَصْدِیقَ الَّذِی بَیْنَ یَدَیْهِ وَتَفْصِیلَ کُلِّ شَیْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ یُؤْمِنُونَ) ، ففي قصصهم عبر وأمثال یفصَّل منها الإجابة على کلّ شيء ومن تلك الأسئلة المطروحة على ساحة العقیدة الإیمانیة غیبة المهدي (علیه السلام) وما یلفُّ حولها من تداعیات لاسیّما وأنَّها العقیدة الرکن في راهن الإیمان الحاضر بالإمامة الإلهیة، فکانت الإجابة عن التساؤلات الدائرة حولها لا محالة نجدها في الأمثال والقصص القرآنیة المستعرضة لحال الأنبیاء والأولیاء المصطفین السابقین.
فکانت هذه السلسلة حول الظواهر القرآنیة وارتباطها بالغیبة للمهدي (علیه السلام)، کیف لا وها هو القرآن ینادینا بأنَّ قصصهم لا یتوقَّف عندها کسطح ظاهر في أشخاص الأنبیاء والأصفیاء، بل یعبر منها عبور مثل للوصول إلى حقائق أخرى، فصحَّ أنَّه لم یستعرض القرآن قصَّة لنبيّ من السابقین إلاَّ مثلاً وعبرةً لعقیدة وحکمة راهنة أرادها من المسلمین والبشر أن یعقلوها فی ظرفهم الحاضر من دین الإسلام…ففی الحقیقة إنَّ الاستدلال بسیر الأنبیاء السابقین التی استعرضها لنا القرآن الکریم في دعواتهم الإصلاحیة ونهوضهم بالبرنامج الإلهي، وکون سلسلة منهم من الموعود بهم وبشَّر بهم، للقیام بعملیة الإصلاح، هو ممَّا یستعرضه لنا القرآن الکریم من سیرهم، وفیه أبعاد عدیدة، وممَّا لا ریب فیه أنَّ أحد تلك الأبعاد هو الإیمان بهم وبما جرى علیهم وبما ذکره القرآن من سیرتهم، وهذا بلا ریب هو من الإیمان بکتب الله ورسله وملائکته.
والبعد الآخر وهو الذي یعنینا أیضاً فیما یتَّصل بعقیدتنا بخلفاء النبيّ (صلى الله علیه وآله وسلم) والأوصیاء الاثني عشر لاسیّما الثاني عشر منهم الإمام المهدي (علیه السلام) وحالة الغیبة، أو حالة الخفاء هي عقیدة قرآنیة، إسلامیّة، وإیمانیة أصیلة،والبعد الثاني في سیر الأنبیاء هو کون ما جرى علیهم من مواقف ومحطّات وتقادیر وأقضیة إلهیة بمثابة عِبر وعظات عقائدیة، وأمثال ضربها الله في القرآن الکریم، کي نبصر ونستبصر ونُبصّر بها في مجال المحاور العقائدیة التي کُلِّفنا بها، وافتُرض علینا الإیمان والتصدیق بها في دین الإسلام.
إذن لیس هو الإیمان والتصدیق بالأنبیاء فقط وفقط، بل هناك بُعد آخر مهمّ جدَّاً، وهو أن نعدّ بما استعرضه لنا القرآن الکریم من قصصهم، وسیرهم وأحوالهم، وسنن الله عزّ و جلّ فیهم، أن نعدّ ونتَّعظ فیما یفترضه علینا القرآن الکریم، وتفترضه علینا الدیانة الإسلامیّة من عقائد، لأنَّ المفروض أنَّ الذي استعرضه لنا القرآن الکریم هو محطّات عقائدیة في الأنبیاء، حیث نرید أن نستخلص منها عبرة، هي لیست عبرة في فروع الدین، وإنَّما هي عبرة في أصول الدین، وعبرة في عقائد الدین.
إذن معنى العِبرة أن یُعدّ من هذه العقیدة کَمَثَل لعقیدة أخرى راهنة إسلامیّة معاصرة. وهي آخر الأمم مبعثاً. فالعبرة في الواقع عبور من شيء إلى آخر موازٍ ومکافئ ومعادل له، حیث إنَّ ما جرى في الأنبیاء عموماً وغالباً، وجُلَّ ما یستعرضه لنا القرآن الکریم من الجانب العقدي والاعتقادي، هي مواقف ومحطّات عقائدیة واعتقادیة في الأنبیاء وهي لیست محلّ نسخ بین الشرائع، لأنَّ العقیدة واحدة، والدین واحد، وهو دین الإسلام المتقوّم بحوزة ودائرة أصول الدین، هذه الدائرة یستعرضها لنا القرآن الکریم مؤکّداً في جملة من السور وجملة من الآیات أنَّ هذه المحطّات یجب أن نعتقد بها، مثل کتب الله ورسله وأنبیائه وملائکته، إلى جانب کونها عِبَراً یعبر المکلَّف من هذه المحطّة العقائدیة إلى محطّة عقائدیة أخرى راهنة، ثمّ ینتقل بها إلى المحور العقائدي الاعتقادي الراهن في الأمّة الإسلامیّة.
فالقرآن الکریم یؤسّس لنا عقائد معرفیة معارفیة اعتقادیة، وهي: أنَّ ما جرى في الأنبیاء والرسل السابقین مضافاً إلى وجوب الاعتقاد والتصدیق به، هو أیضاً معبر یعبرون منه، وینتقلون منه، لیکن الانعکاس منه کمرآة لِما یجری علیکم ولِما یفترض علیکم في هذا الدین وفي هذه الشریعة الخاتمة الخالدة الباقیة.
هذا تعلیم قرآني اعتقادي أصیل، بأن نستلهم الأجوبة لما نبتلى به من أسئلة عقائدیة في هذه الأمّة، وفي هذه الشریعة، نستلهمه ممَّا قد جرى في قصص الأنبیاء السابقین، فهي دعوة من القرآن الکریم لاتّخاذ هذا المنهج لحلّ معضلات الحیاة فکریاً وعقائدیاً.
ونحن نعیش في ظلّ هذا العهد الراهن وهو عهد الاعتقاد بالإمام المهدي وطول حیاته وغیبته، فکما أنَّه محور ورکن عقدي واعتقادي هو أیضاً محلّ حدیث واسع فسیح بین الفِرَق الإسلامیّة، مضافاً إلى أنَّ سُنّة الله التي جرت في الحجج السابقین لن تتبدَّل (فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِیلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِیلاً) والتاریخ یُعید نفسه کما تفیدنا آیات أخر من القرآن الکریم، فبالتالي هذه إضاءة أخرى من القرآن الکریم تدفعنا وتحثّنا لمتابعة الجواب عن أکبر عقیدة احتدم حولها السؤال في الساحة الإسلامیّة، بل وفي الساحة البشریة، ألا وهي العقیدة بالإمام المهدي (علیه السلام) وغیبته وحیاته وإعداده للظهور والإصلاح الشامل، وهل نجد إجابة عن الإثارات التي تدور حول هذا الموضوع في القصص والسنن التي جرت في أنبیاء الله عز و جلَّ وأوصیاء الأنبیاء، وفي حجج الله، فإنَّها لن تتحوَّل، وهي سُنّة جاریة إلى یوم القیامة، فقد احتاج المسلمون في کلّ عصر إلى مفسّرین متخصّصین في أحد العلوم الإسلامیّة الشامخة، وهو علم التفسیر، وهناك جمهرة کبیرة من علماء المسلمین في کلّ الفِرَق الإسلامیّة انبروا للتخصّص وإلى اعتلاء مدارج هذا العلم، بما یدلّل على أنَّ تفسیر القرآن یحتاج إلى موازین وإلى قواعد یجب أن یستلهمها ویحیط بها المسلم عندما یرید أن یتدبَّر القرآن الکریم.
القرآن الکریم یحثّ على عدم الوقوف والجمود، ویحثّ على الاتّعاظ والعبور من معنى إلى آخر ومن محطّة إلى أخرى بشکل موزون على سکّة مقرَّرة مشروعة رسمیة، هذا هو معنى العبور (لَقَدْ کَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ…)، أي لا تقِفوا عندها، بل تجاوزوها إلى محطّة أخرى، وإلى محور ورکن عقدي واعتقادي آخر، وقد ورد في مدرسة أهل البیت (علیهم السلام) أنَّ کلّ ما استعرضه القرآن الکریم ممَّا جرى على الأنبیاء السابقین هو مثال لما یجري على محمّد وآل محمّد (علیهم السلام).
في الحقیقة (تفسیر القرآن بالقرآن) قد یکون شعاراً مخادعاً، إذ لا تعني هذه المقولة تفسیر القرآن بنفسه من دون الحاجة إلى السُنّة، إذ أنَّ السُنّة هي تفسیر القرآن بالقرآن وسُنّة المعصومین، وأمَّا تفسیر المجتهد أو الفقیه أو العالم فهو في الواقع جهد بشري لتفسیر القرآن بالاستعانة بالقرآن ولکن بقدرة بشریة محدودة لا یمکن أن تحیط بمنظومة القرآن التي لا تنفد بمنأى عن السُنّة، والاقتصار على هذا المنهج خطأ واضح.وقد یرفع هذا الشعار في کثیر من الموسوعات التفسیریة ویجعل عنواناً للتفسیر وهو عنوان مخادع من الناحیة العلمیة، لأنَّه لیس تفسیراً للقرآن بالمنظومة الهائلة للقرآن، بل بنتاج جهد بشري في فهم القرآن، ولا ینطبق على حقیقة المنهج الصحیح.



