بعد داعش؛ مع من تكون معركتنا القادمة ؟!
العلمانيَّة في منطقتنا الإسلامية ـ العربية؛ تختلف عن تسميتها في الغرب، فيستحيل هنا أن توصف بأنها مشروع نهضوي، مثلما هو وصفها في الغرب، فضلا عن أنها لم تكن يوما؛ مشروعا سياسيّا أو اقتصاديًّا أو فكريّا أو ثقافيّا، بل هي هنا وسيلة لمقاومة وإحباط المشروع الوطني الإسلامي بالأدوات العلمانية.
المنطقة الإسلامية ـ العربية، وعلى الأخص منها بلاد ما بين النهرين والشام ومصر، تمثل محور العالم القديم،ولذلك فقد تسالم الفكر العالمي، على أن معبأة بأرث وثقافة خاصة بها، معتمدة أساسا على الأديان وفي طليعتها الدين الإسلامي، ويعد هذا الأرث؛ اساس تكوين و وجود سكان هذه المنطقة.
لأنه لا يمكن تغريب النهضة عن الأرث، فأن هذا الأرث والثقافة، هما ما يتعين الأستناد اليهما في بناء نهضة شعوبها، أو على الأقل لا يمكن إغفال تأثيرهما في صناعة المستقبل، ذلك لأن الإنسان ليس جمادا ولا يخضع لقواعد المادة وحدها، بل يدخل في ذلك، عوامل ثقافيَّة وتاريخيَّة و وجدانيَّة؛ اقتصاديَّة أو اجتماعيَّة أو نهضويَّة.
على هذا الفهم فإن من المسلم به؛ هو أن بلدان المنطقة العربيَّة والإسلاميَّة وبدرجات مختلفة، لن تنجح في إقامة مشروع للنهضة إلا على الأساس الإسلامي، وهكذا فإن أي مشروع للنهضة؛ يتجاهل البعد الثقافي والحضاري والوجداني للإنسان سيفشل حتما.
لعلَّ ذلك كان السبب الأساس؛ لفشل كل مشروعات النهضة؛ المنطلقة من أساس ليس إسلامي، والتي تمت في مجتمعاتنا؛ حيث حكمتنا العلمانية في مئة عام الأخيرة، وهو كان الأساس لنجاح المشروع النهضوي الإسلامي؛ في جمهوية إيران الإسلامية، وهو أيضا سبب نجاح العراقيين، في درء مخاطر العدوان الوهابي الداعشي، والقضاء عليه قضاءا مبرما، وهو ايضا سبب الإنتصار الأسطوري لحزب الله في لبنان، وسبب صمود سوريا بمعونة الإسلاميين، وسبب إنتصار فقراء اليمن الحوثيين الحفاة، على تحالف القبائليين من أثرياء المنطقة العربية، بقيادة الوهابية السعودية.
صحيح أن المشروع الإسلامي مشروع واسع، يحتمل اجتهاداتٍ متعددة داخل الإطار، ويقبل النقد والنقد الذاتي، فإن هذا لا يعني إمكانيَّة نجاح المشروع العلماني، لأنه أصلا ليس مشروعا، بل مجرد «وسيلة» للهيمنة وإستعباد الشعوب مجددا تحت عنوانها.
آليات الديمقراطية التي صممتها العلمانية؛ ومنها الإنتخابات بشكلها الراهن، ليست من التراث الثقافي الإسلامي، لكون الإسلام يمتلك وسائل لتحقيق العدالة الإسلامية، أكثر تفوقا أداءاً ودقة وصرامة، وتعطي نتائج أفضل على صعيد الميدان، لو طبقت مثلما تطبق اليوم، في جمهورية إيران الإسلامية.
لكن ومع الأخذ بالحسبان، نقص الأدوات العقائدية لدى باقي الشعوب الإسلامية، فإن الاتجاه الإسلامي في باقي المنطقة، قد حسم أمره؛ باتجاه احترام التعددية السياسيَّة والدينيَّة والثقافيَّة، واحترام صندوق الانتخابات واحترام حرية التعبير والنشر، وحرية العقيدة والفكر وحرية تشكيل الأحزاب، وكل الحريات السياسيَّة والفكريَّة المعروفة.
كلام قبل السلام: معركتنا القادمة ستكون مع العلمانيين تحديدا، ليس لأنهم خذلونا في معركة الدفاع عن الوطن، إذ كان لهم دور سلبي مخز، بل لأنهم يعملون بقوة على هدم قيمنا..معركتنا القادمة هي معركة القيم..!
سلام..
قاسم العجرش



