النسخة الرقمية

النهضة الحسينية وتأثيرها في الحركات الإصلاحية عبر التاريخ الإسلامي

لم تكن الخلافة في المفهوم الإسلامي حقّاً يورث، ولكنَّ السّلطة التي استبدّت بالحكم في عصر عثمان أرادت أنْ تجعلها كذلك؛ ففي المحفل الحاشد الذي ضمّ كثيراً من المسلمين بينهم عثمان والإمام علي عليه ‌السلام، جاء أبو سفيان شيخ بني اُميّة والوجيه لديهم، وهم الحزب الحاكم على الأوساط السياسيّة في البلاد الإسلاميّة ذلك اليوم، جاء يتفقّد طريقه بِعَصاً يحملها وقد كُف بصره وكان آنذاك قد شعر بانتهاء دوره في الحياة واقتراب منيَّته- فسأل أحد الجالسين: هل في الحفل مَن يُخشى منه من غير بني اُميّة؟ قال له رجل: ليس ههنا رجلٌ غريب. فقال: تَلَقَّفوها -أي السّلطة- تَلَقُّفَ الكرة، فو الذي يحلف به أبو سفيان، لا جنَّة ولا نار.
فأصاخ إليه كلّ سمع كان في بني اُميّة، و وعى نصيحته بكلّ التفات، ولَم يعترض عليه يومئذ سوى أمير المؤمنين عليٍّ عليه‌ السلام، إذ وبَّخه على إعلانه الكفر وأنَّبه، فاعتذر قائلاً: لقد كنتُ مغروراً بهذا الرجل الذي نفى وجودَ أيِّ غريب في المجلس، وإلاّ لم يكنْ من الحزم أنْ اُصارح مثلك بهذا وانتهى الحفل وتفرّق الجمع، إلاّ أنّه كان ذا تأثير كبير في تسيير الأوضاع السياسيّة لمستقبل المسلمين،أجل، قد أفصح قول أبي سفيان عن خطّة له مدروسة ساعده على تنفيذها الحزب الاُموي أوّلاً، ومَن ابتغى السّلطة، بل ومَن ابتغى تقويض الاُسس الإسلاميّة لأضغان قديمة وأحقاد متراكمة..تلك هي رغبة السّيطرة على الحكم، ثمّ يَسهل عليهم كلّ ما يشاؤون..وأبو سفيان -وهم معه- كانوا يستسهلون كلَّ صعب، ويستحسنون كلّ قبيح في سبيل ذلك، ماداموا لا يعتقدون بجنّة أو نار، ولا يؤمنون بنبيٍّ أو وصيٍّ، ولا يُبالون لأيّ مُقدَّس يُدحض، وأيّ شرف يُدنَّس، وأيّة سُمعةٍ تُساء؛ فإنّ أمامهم غاية يُبرّرون في سبيل الوصول إليها كلَّ وساطة، بل يعدّون كلَّ وساطة تُؤدّي إليها أمراً مُقدَّساً ومُحرَّماً، تماماً كالفكرة الجاهليّة التي تمكّنت من أدمغتهم البالية،وحينما نُجري مع الأحداث التي مرّت بالعالم الإسلامي من أواخر عهد عثمان حتّى قيام الدولة العباسيّة، نجد أوفق التفاسير لها هذا الذي قدّمناه لك الآن من كلام أبي سفيان، واعتقاده ومَن تابعه.فالحروب التي رافقت عصر الإمام علي عليه‌ السلام، والحُرمات التي هُتكتْ في عصر معاوية، والغارات التي شُنّتْ في عهد يزيد، والمعارك التي شبَّتْ واُضرمتْ في عهد سائر الخلفاء الاُمويّين، كانت جميعاً جارية على هذا المبدأ، ومنفِّذة لهذه الخُطّة المدروسة،فالحزب الاُموي لم يُفكّر إلاّ في ابتزاز الأموال وتشكيل السّلطان، واستعباد الخلق بكلّ وسيلة. ومَن أراد تفكيك الأحداث السياسيّة في هذه الحقبة الطويلة عن هذه الحقيقة الصريحة، فقد أراد تفكيك المعلول عن علَّته، والمسبِّب عن سببه…فحينما نجحت مؤامرة معاوية، وساعدته الأقدار على ابتزاز السّلطة من يد أهلها، وهيّأت له كلّ أهدافه وحقّقت له جميع شهواته، فما الذي حداه إذاً إلى استخلاف يزيد هذا السكِّير المقامر من بعده؟!لا نستطيع تفسيراً لذلك إلاّ ما قد سبق: من أنَّ القضيّة كانت أعمق ممّا نخاله؛ فإنّها ليست قضيّة استخلاف والد ولده فقط، بل هي تحويل الخلافة إلى مُلكٍ اُمويٍّ عضوض، صرّح به مروان بن الحكم في عهد عثمان إذ قال للنّاس المحتشدين حول البلاط، يطالبون بحقوقهم الشرعيّة: ما تريدون من مُلكنا؟!
إذاً هو مُلكٌ لكم تُريدون الإبقاء عليه بما اُوتيتم من قوّة وسلطان! وراحت الأحداث تباعاً كلّها تؤكّد هذا التفسير حتّى جاء أحد الموالين لبني اُميّة، فصعد المنبر في حشد يضمّ زعماء المسلمين ذلك اليوم، ومعاوية مُتصدّر وإلى جنبه يزيد، فنظر إلى معاوية، ثمّ إلى يزيد، ثمّ هز سيفه قائلاً: أمير المؤمنين هذا (معاوية)، فإنْ مات فهذا (يزيد)، وإلاّ فهذا. وهزّ السّيف، فتقبّل النّاس خوفاً من آخر الثلاثة،ومات معاوية، وكتب يزيد إلى الولاة بأخذ البيعة له، وجاء كتابه إلى المدينة، وطلب حاكم المدينة من الحسين عليه ‌السلام البيعة ليزيد فأبى، وكان من الطبيعي أنْ يأبى. ثمّ حشّد الحسين عليه ‌السلام أهله وأصحابه، وسار إلى مكّة لإعلان ثورته، لا على يزيد فقط بل على الحزب الاُموي، وعلى التوتّر الذي يسود العالم الإسلامي أيضاً، ولا شكّ أنّه سوف يربح القضيّة وبقي عليه‌ السلام في مكّة المكرمّة أيّاماً، يُعرّف النّاس مكانته السامية من الرسول صلى ‌الله ‌عليه ‌وآله، وسابقته النّاصعة للرسالة، وقِدمه الأصيل في قضايا المسلمين،وأرسل يزيد إلى اغتياله مئة مسلّح، فعرف الحسين عليه ‌السلام ذلك، فتنكَّب الطريق وقصد الخروج إلى الكوفة. لماذا؟ لأسباب نوجزها فيما يلي:إنّه، إمّا أنْ يُعلن الحرب على بني اُميّة وأنصارهم في مكّة، وهو لا يُريد ذلك؛ لأنّه يخالف قداسة البيت وحرمته أولاً؛ ولأنّه إنْ ربحها لم يفد شيئاً؛ لأنّ من ورائه دولة مُسلّحة منتشرة قواها في كلّ مكان، في حين أنّ مكّة تكفيها سريّة تتّجه من المدينة، حيث لا تزال حكومة الاُمويّين متمكِّنة هناك، فتطحنها طحناً، بينما الكوفة هي الآن أعظم قوّة إسلاميّة على الإطلاق.
وهناك سبب آخر غيّر مجرى التاريخ، وهو: التزام أنصار الحسين عليه‌ السلام بالحقّ حتّى في أشدّ الظروف وأعتاها، فهذا في جانب، وفي جانب آخر عدم ارتداع أهل الشام عن أيّ جريمة، وأيّ اغتيال وخدعة.
وهنا أنقل لكم قصّتين فقط، ثمّ آتي بنظرتين لهما حتّى نعرف بالمجموع اختلاف السير والاتّجاه بين الحسين عليه‌السلام، وبين يزيد وأنصارهما:
كان مسلم بن عقيل الحاكم على الكوفة مطلق اليد، وكان عبيد الله بن زياد قد جاء إليها ليرجعها لبني اُميّة، ويُرضي رجلاً من زعماء الشيعة يُدعى هاني بن عروة، فعاده ابن زياد علّه يستطيع أنْ يربحه، وكان مسلم حاضراً، فأمره هاني أنْ يختفي في مخدع، فإذا جاء ابن زياد، والي يزيد وزعيم المعارضة الاُمويّة في الكوفة، ضرب عنقه وتخلّص من شرّه وشرّ يزيد من بعده..وجاء ابن زياد، وانتظر هاني خروج مسلم ساعة بعد ساعة تستطيل دقائقها أنْ لا يفوته الوقت، ومع ذلك فلم يوافِهِ مسلم على الوعد، فأخذ يُنشد أشعاراً يُحرّضه بتلميحٍ على قتل ابن زياد، فأحسّ ابن زياد بالسّرِّ وخرج هارباً، فلمّا جاء مسلم وبَّخه هاني على استمهاله، فقال: قال رسول الله صلى ‌الله ‌عليه‌ وآله: «المُسلمُ لا يغدُرُ»فقول رسول الله هو الميزان، وهو المقياس الأوّل والأخير للحركة في منطق أنصار الحسين عليه ‌السلام؛ لأنّهم لا يهدفون إلى غاية سوى بلوغ مرضاة الله تعالى، ولنْ تُبلغ مرضاته بمعصيته، ولا يُطاع الله من حيث يُعصى وانقلبت الاُمور، وقُتل مسلم، وجيء بخبر شهادته إلى الحسين عليه ‌السلام وهو في طريقه إلى الكوفة، في منزل يُدعى (زُبالة).
ثمّ حشّد ابن زياد بعد استيلائه التَّام على الكوفة جيشاً باسم محاربة الترك والدَّيلم، فلمّا اقتربت قافلة الإمام عليه ‌السلام من الكوفة، وجَّهه إليه ليُقيِّده إليه أو إلى الموت، وأوّل سريّة لقيت الحسين عليه‌ السلام من الجيش كانت مُكوّنة من ألف مقاتل، وعلى رأسها الحُرُّ بنُ يزيد الرياحي الذي طلب من الإمام عليه‌ السلام: إمّا البيعة، وإمّا قدوم الكوفة أسيراً.
فأبى الإمام عليه ‌السلام، وأخذ طريقاً وسطاً بين طريق الكوفة والمدينة، وأرسل الحُرُّ كتاباً إلى ابن زياد، فأجابه بلزوم محاربته، وحشّد إلى الإمام عليه ‌السلام جيوشاً بلغ عددها أكثر من ثلاثين ألف رجل، فالتقوا على صعيد كربلاء التي تبعد عن بغداد اليوم مئةً وخمسة كيلو مترات، وعن الكوفة خمسة وسبعين كيلو متراً.
وكان ذلك اليوم عصر التاسع من شهر مُحرّم الحرام، حيث جاءت رسالة ابن زياد إلى عمر بن سعد قائد جيش بني اُميّة، يأمره بالحرب بعد منع الماء عن حرم الرسول صلى‌ الله ‌عليه ‌وآله.
واستمهلهم الإمام الحسين عليه‌السلام سواد الليل، حتّى إذا أفصحت ليلة العاشر من المحرّم عن صبحٍ كئيب، زحف الجيش على مُخيّم أبي عبد الله عليه‌ السلام وقاوم أنصاره، وهم اثنان وسبعون بطلاً من أشجع أبطال العالم الإسلامي، وصُرعوا واحداً بعد الآخر بعد ما أبلوا بلاءاً حسناً.
وقُتل أيضاً إخوة الإمام عليه‌ السلام، وعلى رأسهم بطل العلقمي أبو الفضل العبّاس عليه ‌السلام، واستشهد أبناؤه حتّى الرضيع في حضن والده، ولَم يبقَ إلاّ الإمام عليه ‌السلام، فزحف إلى القوم وجاهد جهاداً عظيماً، وقَتل من أهل الكوفة عدداً هائلاً، ولَمْ تمضِ إلاّ ساعات حتّى أصابه القدر سهمه الغدّار على يد حرملة الكاهلي (لعنه الله)، وأصابه الكفر برمحه على يد سنان بن أنس (لعنه الله)، وبسيفه على يد شمر بن ذي الجوشن (لعنه الله وأعدّ له جحيماً وعذاباً أليماً)، فصُرع شهيداً رشيداً، ظامئاً مظلوماً، فعليه وعلى أنصاره ألف تحيّة وسلام.
ولما وقعت الواقعة الرهيبة، وانتهت بمصرع السّبط وأصحابه الأطهار عليهم‌ السلام على أرض كربلاء بأبشع إجرام عرفه التاريخ، دوّى صداها في العالم الإسلامي، وزُلزل عرش بني اُميّة زلزالاً. ولَم تمضِ مدّة طويلة حتّى اندلعت ثورات في كلّ مكان، واستمرّت حلقات متّصلة حتّى انتهت بسقوط الدولة الاُمويّة، وإنْ كان الأمر لم ينتهِ بسقوط بني اُميّة تماماً؛ حيث انحرفت القيادة الإسلاميّة أيضاً عن مجراها الصحيح، إلاّ أنّ ثورة أبي عبد الله عليه‌السلام ونهضته الجبّارة كوَّنت جبهة قويّة مُتماسكة تقف دون أي انحراف يُريده المجرمون للحقِّ ومفاهيمه..والواقع أنّنا إذا تابعنا أحداث التاريخ بدقّة، نرى أنّ كلّ دعوة صادعة ثارت على الطغيان في قرون متطاولة، إنّما كانت نابعة عن حركة الإمام الحسين عليه‌السلام…وهكذا نستطيع أنْ نقول: إنّ نهضة الحسين عليه ‌السلام ظلّت قاعدة أصيلة للحركات الإصلاحية في التاريخ الإسلامي على طول الخطِّ، وستظلّ هكذا إلى الأبد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى