دراسة آثارية ـ تحليلية إنطباعات الرسامين المسلمين لواقعة الطف الأليمة

د. حيدر فرحان الصبيحاوي
2
في عودة إلى اللوحة الفنية التاريخية نتطلع إلى المشهد الثالث (صورة 3) الذي ختم به إحدى أبرز حوادث عاشوراء نرى في خلفية اللوحة العباس (ع) على جواده الذي كاد يكب كما يتضح ذلك من ساقيه الخلفيتين، والإمام العباس (ع) من فوقه وقد قطعت يداه، وهو ماسك قربة الماء بأسنانه وجنود العدو متحلقون حوله لمنعه من إيصال الماء إلى الأطفال.كما هو معروف ففي الماء حياة البشر والحيوان والنبات، ولأجل ذلك نرى الإستيعاب الشامل لمسائل المياه في الفقه الإسلامي، وعدّه الشارع أحد المباحاة لكل أحد، وفيه مراعاة لحقوق الإنسان. وبرغم ذلك إلا أن جيش يزيد منع الماء عن الأطفال والنساء ليموتوا عطشاً، ولأهمية الموضوع أبرزها الفنان كي يظهر للمجتمع أبعاد الحقد الأموي على الإنسانية جميعاً.
إذا انتقلنا إلى اللوحة الثانية نرى أن الفنان قد اتبع أسلوب شريط الأحداث أيضاً، إذ إنه جمع أكثر من حادثة في لوحة واحدة. ولعل الفنان قد جسّد بداية واقعة كربلاء ونهايتها في لوحة واحدة معبرة، إذ نشاهد ثلاثة مشاهد بارزة تبدأ من أول شهيد من معسكر الإمام الحسين (ع) وتنتهي بقيام جيش يزيد (لع) برفع رؤوس شهداء آل البيت وأصحابهم وقيامهم بسبي آل الرسول.
المشهد الأول (صورة 4) وتأخذ مقدمة اللوحة ويظهر فيها الإمام الحسين (ع) وقد بدا وجهه مغطى بالخمار وأحاطت برأسه هالة من نور وفي حضنه ابنه علي الأكبر مضرجاً بدمائه والرماح تملأ جسده، وأحاطت برأسه هو الآخر هالة من نور، ومن تحت قدميه بدا درعه وخوذته المريشة ورمحه منتثرة على الأرض.
حسب الوقائع التاريخية فإن علي الاكبر كان هو أول من برز إلى القتال من أهل البيت (ع)، وبارز جيش الأعداء وشد عليهم شد الليث بالأغنام حتى اشتد عليه العطش من شدة الحر وكثرة الجراح، وبينما هو يكر على العدو حتى ضربه مرة بن منقذ العبدي و وقع شهيداً.
في المشهد الثاني (صورة 5) وتقع في أعلى اللوحة وتظهر الإمام الحسين (ع) مقبلاً إلى المعركة وهو يمتطي فرسه وفي أعلى رأسه خوذة مريشة ويتبعه شخص رافع مظلة فوق رأس الإمام، وعلى جانبيه جنود جيش يزيد يحاولون قتل الإمام وهم رافعو سيوفهم بوجهه. مما يسترعي الانتباه في هذا المشهد من اللوحة هو أن الفنان كأنه أراد أن ينقل للجمهور صورة أخرى من داخل احساس الإمام الحسين (ع) وهمومه أثناء المعركة، ولا سيما أن جميع أبنائه وأخوته وأصحابه قد انتقلوا إلى جنات الله، حيث أظهر الفنان على ذات خط سير الإمام وهو متوجه للمعركة وجنود يزيد يحوطونه من كل جانب، أظهر أمامه صورة ضمت مجموعة من الوجوه داخل هالة كبيرة يمتد منها شعاع من الأعلى ويصل إلى الأرض حيث أقدام فرس الإمام الحسين (ع)، وكأن الإمام قد سار نحو تلك الصورة والتقى من جديد بأبنائه وأصحابه في جنات الخلد. ولعل تفسيرنا يكاد يكون مقبولاً إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار منظر فرس الإمام الحسين (ع) في لقطة أخرى من ذات المشهد بمفرده وقد مُلِئ جسده بالسهام، وقد وقف متصلباً كأنه فقد الحياة هو الآخر. وفي ذلك رمزية لإستشهاد الإمام الحسين (صورة 6).
بعد ذلك ينتقل الفنان إلى المشهد الثالث (صورة 7) وهو نهاية المعركة، وقد جسّد فيها المأساة الحقيقية حيث جنود يزيد يحيطون بالنساء والأطفال من كل جانب ويرفعون رؤوس الشهداء على الرماح وقد أحاطت بتلك الرؤوس هالات من نور، بينما كانت النساء رافعات أيديهن للسماء للدعاء.
لقد كان من أصعب الساعات على بنات رسول الله (ص) هي تلك الساعة التي استشهد فيها الإمام الحسين (ع) وأبناؤه وعشيرته وأصحابه حيث بقيت عائلته بلا ناصر ولا معين، وجيش يزيد يحيط بهم من كل جانب.
في اللوحة الثالثة انتقل الفنان إلى أسلوب جديد في تصوير واقعة كربلاء الأليمة، حيث ألغى من خلال التصوير عنصري الزمان والمكان وجمع فيها بين بلاد الهند وكربلاء المقدسة حيث الفاجعة (صورة 8)، هذه الصورة تمثل قصة أبطالها الإمام الحسين (ع) وأحد ملوك الهند يدعى قيس.
الصورة تتحدث عن الإمام الحسين (ع) وهو يمتطي جواده وفي أعلى رأسه هالة على شكل ورقة شجر هي نفسها الهالة التي اعتلت رأس الإمام العباس (ع)، وقد اخترقت جسده السهام، وتحت قوائم الجواد أسد رمز إلى قيس ملك الهند الذي استنجد بالإمام الحسين (ع) في الوقت الذي أوشكت حياته على الانتهاء، وبمعجزة بلغ الإمام الحسين (ع) أرض الهند وأنقذ قيساً الذي كان الأسد على وشك التهامه. فرقد الأسد استسلاماً تحت قدمي الإمام الحسين (ع)، وإذا بالملك يعرض على الحسين (ع) أن يتبعه لمعاونته ضد خصومه، غير أن الإمام الحسين أمره بالعودة إلى دياره وأن يعد مراسم العزاء في شخص الإمام الحسين (ع) وأفراد أسرته.
ان مصادر المؤرخين الأوائل والمحدثين لم تتطرق إلى هكذا حادثة أثناء واقعة ألطف، ولا ندري هل تم تغييب الحادثة عن قصد أم الحادثة لا وجود لها على أرض الواقع وإنما هي من خيالات الفنان؟ ولا سيما وأن الشيخ مرتضى مطهري يرفض مثل هكذا حكايات ويعدها تحريفات لواقعة ألطف بقوله: (وللأسف إن هذه الواقعة قد تعرضت أيضاً إلى التحريف المعنوي وهو أشد خطراً وأعمق تغييراً من التحريف اللفظي، وما جعل هذه الواقعة تفقد بعض وهجها وأثرها وميزاتها هو التحريف المعنوي).
مع هذا الرفض الواضح للشيخ مطهري، وبرغم عدم ذكر تلك الحادثة في المصادر التاريخية المختلفة، إلا أننا وجدنا ضالتنا في الكتاب الموسوم (كنز المصائب) للميرزا محمد تقي قمري المعروف (قمري كلزار)، والكتاب كان منشوراً في أحد مواقع الإنترنت وقد زودنا الناشر بمعلومات كثيرة نستقي منه: (الكتاب مجموعة من القصائد باللغة التركية الفارسية ـ أي أتراك إيران ـ يروي المقتل و واقعة الطف، يعتمدون عليه في معرفة أخبار وأحوال شهادة الإمام الحسين (ع)). هذا الكتاب يحتوي على أحداث و وقائع لم يذكر أي مصدر من مصادر الشيعة، والذين يملكون هذا الكتاب في العراق هم ( البكتاشية أو الموالين) كما يسمون، وأن أغلبهم يعيشون في شمالي العراق في قضاء تلعفر وأطراف الموصل وكركوك وهم من القوميات التركمانية والشبك وبعض الأكراد والعرب.
أما ما ورد من قصة كما وردت في الكتاب فيروى: أن الإمام الحسين (ع) لما بقي وحيداً في أرض كربلاء يوم عاشوراء وكانت الجراحات تملأ جسده الشريف وأراد التوجه إلى الخيام لتضميد جراحاته، قامت السيدة زينب بتضميد جراحاته وهما يتحاوران. طرق سمع الإمام (ع) نداء استغاثة من أحد الشيعة الموالين في بلاد الهند وهو ملك آنذاك وكان قد خرج مع وزيره إلى الصيد، وقد اعترضهم أسد، فقام الوزير بالاستغاثة بالإمام الحسين (يا حسين أدركني)، والإمام في ذلك اليوم غارق بدمائه وجراحاته، وأخته زينب تضمد جراحاته يوم عاشوراء، فما ان سمع الحسين (ع) النداء إلا واختفى من أمام ناظري أم المصائب زينب و وصل إلى بلاد الهند حيث الوزير والملك قيس يستغيثون به لتخليصهم من الأسد. وما أن وصل الإمام حتى طأطأ الأسد برأسه وأخذ يقبل أرجل فرس الإمام. فدهش الملك والوزير لما شاهدوه وقالوا من أنت أيها الفارس حتى ركع لك الأسد والدماء تسيل من جسمك ومليئة بالجراحات؟ فقال (ع): أنا من ناديتموه وطلبتم عونه، فقلت لبيك شيعتي لبيك، وأتيتكما وتركت أرض الطف وتركت أختي زينب هناك. فصعق الملك والوزير من هول ما شاهداه ورميا بنفسيهما على الإمام قائلين فديناك يا مولانا.



