في ذكرى إستشهاد رابع أئمة أهل البيت.. الإمام زين العابدين « ع» .. ترسيخ لقيم سامية جاهد من أجلها الحسين «ع»

الإمام علي بن الحسين عليه السلام، هو رابع ائمة اهل البيت (سلام الله عليهم) وجدَه الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وصيِّ رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم واول من اسلم وآمن برسالته وكان منه بمنزلة هارون من موسی كما صح في الحديث عنه، وجدته فاطمة الزهراء بنت رسول الله(ص) وبضعته وفلذة كبده وسيدة نساء العالمين، كما كان ابوها يصفها، وابوه الإمام الحسين(ع) احد سيدَي شباب اهل الجنة سبط الرسول وريحانته،ولحكمة الهية بالغة، بقي الإمام علي بن الحسين(ع) حيا بعد المجزرة الدموية الاموية التي حلت ببيت الرسالة في كربلاء، في وضع مأساوي وصفه الإمام السجاد(ع) ذاته في جوابه (للمنهال بن عمر) حين سأله، كيف امسيت يابن رسول الله؟ قال (سلام الله عليه): (أمسينا كمثل بني اسرائيل في آل فرعون، يذبَحون أبناءهم ويستحيون نساءهم). ولقد نجا عليه السلام بقدرة الله تعالی، في حين كان عمره يومها ثلاثا وعشرين سنة، فقد كان المرض الذي استبدَ به لاسقاط واجب الجهاد بالسيف عنه.
وقد قدر للإمام زين العابدين أن يتسلّم مسؤولياته القيادية والروحية بعد استشهاد أبيه عليه السلام، فمارسها خلال النصف الثاني من القرن الأول، في مرحلة من أدق المراحل التي مرّت بها الأمة وقتئذ، وهي المرحلة التي اعقبت مرحلة الفتوح الاولى، فقد امتدّت هذه المرحلة بزخمها الروحي وحماسها العسكري والعقائدي، فزلزت عروش الأكاسرة والقياصرة، وضمت شعوبا مختلفة وبلادا واسعة الى الدعوة الجديدة، واصبح المسلمون قادة الجزء الاعظم من العالم المتمدن وقتئذ خلال نصف قرن.
وجاء دور الإمام السجاد عليه السلام بعد استشهاد أبيه الإمام الحسين (سلام الله عليه) مباشرة، ليقوم بما عليه في هذه المرحلة، والتي تمثلت بدوره الإعلامي من خلال إظهار الجانب المفجع والمأساوي لما حدث في كربلاء وما صنع الأعداء بأهل البيت (سلام الله عليهم) من ذبح وسبي، والإمام لم يقم بذلك من اجل العبرة فقط ولكن لكي يستطيع بعمله هذا ترسيخ الفاجعة في أذهان الناس ومن خلال ذلك يثير لدى الناس نتائج الطف السامية وترسيخ القيم الاسلامية التي جاهد من اجلها الإمام الحسين عليه السلام..لقد مر الإمام السجاد(ع) بعد واقعة الطف الاليمة بمدة وصفت بالحرجة، حيث انه عاش حياة الحصار والتكتم الاعلامي من الامويين، فكان لا مجال للإمام لإبلاغ رسالته والسير على النهج الذي خطّه جده النبي(ص) وآباؤه (سلام الله عليهم)، ولذلك قاد الامام السجاد(ع) وبعد حوادث الطف مباشرة، حركته الاصلاحية للأمة ويمكن المتتبع في هذا المجال، ان يلمح في قيادة الإمام عليه السلام ظاهرتين اثنتين، الاولى: استكمال الشوط الرسالي الذي بدأه الإمام الحسين(ع)، حيث ان كان بنو أمية والضالعون في ركابهم مدركين تماما ما للحسين عليه السلام وآل البيت من مكانة لاتضاهيها مكانة في نفوس المسلمين وكانوا يعلمون ان قتل الحسين(ع) واصحابه في كربلاء سيثير سخط المسلمين عليهم، ومن أجل ذلك خططوا للتعمية وبذلوا كل وسعهم لاثارة الضباب، لكي يمتصوا ايَ ردَ فعل متوقع، لاسيما في بلاد الشام حصنهم القوي..وهكذا سخروا اجهزة اعلامهم المتاحة يومذاك حتی اوصلوا الناس إلی حد القناعة بان الحسين(ع) وصحبه انما هم من الخوارج. وقد كان مقدرا لتلك الدعاية ان تنجح في الشام إلی اقصی حدَ ممكن، مما كان يفرض القيام بما من شأنه ان يفشل الدعاية الاموية واهدافها المسعورة ويكشف بحزم عن اهداف ثورة الحسين(ع) وعن مكانته بالذات في دنيا المسلمين وهكذا كان. بالتالي تبنی الامام السجاد(ع) وكرائم اهل البيت كزينب وام كلثوم وغيرهما، سياسة اسقاط الاقنعة التي يغطي الامويون وجوه سياستهم الكالحة الخطيرة بها وتحميل الامة كذلك مسؤوليتها التأريخية أمام الله والرسالة،ويمكن في هذا الصدد مراجعة خطب وكلمات الامام السجاد وعمته العقيلة زينب بنت الإمام علي بن أبي طالب في الشام، ومن اجل كسر التعتيم الاعلامي الاموي وفضح جرائم يزيد، وقف الإمام السجاد(ع)، في الحكم الاموي وبحضور يزيد بن معاوية وكل معاونيه من رؤوس التحريف والضلال والقی ببيانه الخالد معريا سياسة الامويين الضالة الدموية ومبينا من هم السبايا واي مقام رفيع يمثلون في دنيا الاسلام وقد جاء في بيانه:ايها الناس: اعطينا ستاً وفضلنا بسبع، اعطينا العلم والحلم والسماحة والفصاحة والشجاعة والمحبة في قلوب المؤمنين. وفضلنا: بأن منا النبي المختار والصديق والطيار واسد الله واسد رسوله ومنا سيدة نساء العالمين فاطمة البتول وسبطا هذه الامة..ايها الناس: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي..ايها الناس: أنا ابن مكة ومنی، أنا أبن زمزم والصفا، أنا ابن من حمل الركن بأطراف الرداء، أنا أبن خير من ائتزر وارتدی وخير من طاف وسعی وحج ولَبّی، أنا أبن من حُمل علی البراق وبلغ به جبريل سدرة المنتهی، فكان قاب قوسين أو أدنی، أنا من صلی بملائكة السماء، أنا ابن من أوحی اليه الجليل ما أوحی. أنا ابن فاطمة الزهراء سيدة النساء، وابن خديجة الكبری، انا ابن المرمل بالدماء أنا ابن ذبيح كربلاء،وحين بلغ هذا الموضع من خطابه استولی الذعر علی الحاضرين وضج اغلبهم بالبكاء حين فوجئوا بالحقيقة مما اضطر يزيد ان يأمر المؤذن للصلاة ليقطع علی الإمام عليه السلام خطبته، غير ان الامام عليه السلام سكت حتی قال المؤذن (اشهد ان محمدا رسول لله) التفت الإمام السجاد عليه السلام إلی يزيد قائلا: (هذا الرسول العزيز الكريم جدك ام جدَي؟) فان قلت جدَك، علم الحاضرون والناس كلهم انك كاذب، وان قلت جدي، فلم قتلت أبي ظلما وعدوانا وانتهبت ماله وسبيت نساءه؟ فويل لك يوم القيامة إذا كان جدَي خصمك،واما عقائل آل الرسول(ص) فقد مرَغن أنوف بني أمية في الوحل واسقطن كبرياءهم عمليا أمام الأمة التي يحكمونها، تجد ذلك بوضوح في خطبة العقيلة زينب الكبری، التي القتها في مجلس يزيد في دمشق وفي المناقشات الحادة التي دارت هناك..والثانية: تبني منعطف جديد للحركة الاصلاحية في الأمة. ان المتتبع لطبيعة دور الإمام السجاد(ع) في الحياة الاسلامية بعد عودته، يلمح انه عليه السلام قد رسم منهجه العملي بناءاً علی دراسة الاوضاع العامة للامة بعد ثورة الإمام الحسين(ع)، وتشخيص نقاط ضعفها ومقومات نهوضها..ومارس الإمام عليه السلام، دوره من خلال العلم علی انماء التيار الإسلامي الرسالي الاصيل في الامة وتوسيع دائرته في الساحة وقد ساعد في انجاح عمله عاملان اساسان هما: الاضطراب السياسي والاجتماعي الذي تفجر في اكثر مراكز العالم الاسلامي اهمية وتأثيرا بعد مأساة الطف مباشرة والثانية التجاوب مع اهل البيت عليهم السلام من قطاعات واسعة من الامة وذلك نتيجة لشعور اسلامي عام بمظلومية أهل البيت عليهم السلام خصوصا بعد استشهاد الإمام الحسين عليه السلام..كما واصل الإمام السجاد عليه السلام، حركته الاصلاحية للامة عن طريق الابلاغ والتبليغ بأسلوب الدعاء والتي جمعت بالصحيفة السجادية والتي عبّر عنها أهل البيت عليهم السلام، بإنجيل أهل البيت وزبور آل محمد عليهم السلام. فإن ما تمثّله هذه الأدعية من دور بنّاء ضروري في حياة الانسان وبنائه بناءاً انسانياً لما تحمله من أساليب ومعانٍ راقية في دعاء المولى سبحانه وبنفس الوقت هي دستور حياتي في المثل والأخلاق والفضائل يتربّى على مبادئها كل إنسان يريد الكمال وبلوغ الذروة في خط الإنسانية. فقد عدّت هذه الصحيفة المنهج الواضح لبيان الاسس الحقّة وطرق التقرب للمولى العزيز سبحانه وتعالى،واما في شأن استشهاد الإمام زين العابدين، فقد استشهد عليه السلام، في المدينة في الخامس والعشرين من شهر محرم للسنة الخامسة والتسعين للهجرة أو حسب روايات أُخرى في الثاني عشر من شهر محرم عن عمر يناهز السبعة والخمسين عاما ودُفن في جنة البقيع إلى جانب عمه الإمام الحسن عليه السلام..فسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيا.



