النسخة الرقمية

الفيلسوف والفنان يد واحدة للنهوض بالإنسان

د.أيمن المصري
الإنسان وما أدراك ما الإنسان؟، سيد الكائنات وخليفة الرحمن، الذي انطوت فيه كل الأكوان من عالم الغيب والمعنى إلى عالم الشهادة والمادة، فتراه تارة يصعد من الأرض بعقله إلى أقصى عنان السماء، ليكتشف حقائق الأشياء، ومبادئها العليا، ونظمها البديع وتسلسلها المنسجم من مبدأها الأول في قوس النزول، ثم ينزل تارة أخرى ليجول في الأرض بحسه المرهف وخياله الخلاق؛ ليرسم لوحة رومانسية جميلة من الصور والألوان والأنغام، والتي تُذكّره بمعنى واحد، ألا وهو الجمال والكمال، ليعود هذا المعنى بالإنسان مرة أخرى للارتقاء إلى عالم المعنى في قوس الصعود، لتكتمل بعدها دائرة الوجود في مملكة الإنسان؛ وليصبح بعدها المظهر التام للخلافة الإلهية، والمنطلق الحقيقي للحضارة الإنسانية.فالإنسان الفيلسوف هو الذي يكتشف بنور عقله ومشعل فكره نظام الكون البديع من مبدئه إلى منتهاه، والإنسان الفنان هو الذي يصوغ بخياله الخلاق أجزاء هذا العالم من جديد، وينظم فسيفساءه ودرره المنثورة بما يحاكي هذا النظام البديع، في لوحة فنية جميلة.فهناك في الواقع علاقة تكاملية طبيعية و واقعية بين الفيلسوف والفنان، فالفيلسوف هو الذي يغذي الفنان بالمعاني الواقعية والقيم الإنسانية، والفنان هو الذي يقوم بتجسيدها في عالم الطبيعة، فالفيلسوف هو أصل هذه الشجرة الطيبة، والفنان فرعها، فلو بقي الفرع متصلا بالأصل أثمر وأينع، وإن انفصل عنه أصابه الذبول، وأصبح الأصل عقيما.وللأسف الشديد، فقد سعى أعداء الإنسانية على مر التاريخ إلى قطع هذا الفرع عن أصله، فأقصوا الفلاسفة عن ميدان العلم والثقافة، وعزلوهم عن المشاركة في ساحة الاجتماع والسياسة، بعد أن جردوهم من كل أدواتهم الفاعلة والمؤثرة في المجتمع البشري، واستولوا بعد ذلك على عالم الفنون والآداب، وقاموا بتسخير الفنانين والأدباء لخدمة أغراضهم الشريرة، وتحقيق مطامعهم غير المشروعة. فأضحى الفيلسوف سجينا وعاجزا عن إصلاح المجتمع وهدايته، وأمسى الفنان أسيرا في أيدي أصحاب القدرة والسلطان يوجهونه حيث درت معايشهم وترعرعت مصالحهم.وقد ترتب على فصل الخيال عن العقل، وعزل الفن عن الفلسفة، عواقب وخيمة على البشرية جمعاء، حيث انقسم الناس حول الفن إلى طائفتين، بين الإفراط والتفريط.طائفة من المحافظين والمنتسبين إلى الدين تتهم الفن بأنه مظهرالمجون والابتذال، وشعارالفاسقين والفجار، وتدعو إلى تحريمه وسد أبوابه بالكلية، غافلين عن أن الفن أحد مظاهر الإنسانية السامية، وهو السبيل الوحيد للتعبير عما في ضمير الإنسان ومشاعره، والجسر الرابط بين عواطف الإنسان وأحاسيسه الوجدانية وبين قيمه الإنسانية والإلهية وطائفة أخرى من المتحللين، تدعو إلى التحلل من كل القيم والمبادئ الإلهية والإنسانية تحت شعار حرية الإبداع، والخيال الحر، واللذة المطلقة، غافلين عن أن الفن الحقيقي هو الذي يجسد المفاهيم العقلية الواقعية والقيم الإنسانية، وأن الحرية الحقيقية هي التي تحرر الإنسان من أسر القيود المادية والغرائز الحيوانية، وتعتقه من عبودية أعداء الإنسانية الذين لايرون إلا مصالحهم الشخصية والفئوية، فالإنسان الحر هو الذي يطيع عقله في كل حركاته وسكناته، وشعوره وانفعالاته، حيث تنسجم الأحكام العقلية مع الطبيعة الإنسانية ببعديها المادي والمعنوي، على خلاف القوى والغرائز الحيوانية التي لاتراعي إلا الجانب المادي في الإنسان.فالفنان يفتقر إلى الفيلسوف في تصحيح مساره ومنطلقاته، والفيلسوف يفتقر إلى الفنان لتجسيد معانيه وأفكاره، وإبرازها على مسرح الحياة الطبيعية بمختلف الوسائل والأشكال الفنية التراجيدية والكوميدية من القصة والدراما العقلية السامية، والسينما والمسرح الهادفين، والموسيقا المؤثرة التي تحرك المشاعر الشريفة والخيالات النبيلة ،والرسوم المعبرة والجميلة….وغيرها من مظاهر الفنون الجميلة والمؤثرة.وعندما يضع الفيلسوف يده في يد الفنان، ويعود الفنان إلى أحضان الفيلسوف، الذي هو بمثابة الأب المشفق والأم الرؤوف، فسوف يجد الفيلسوف وسيلته، ويعثر الفنان على ضالته، وينتصر الإنسان على نفسه، ويتحرر من كل القيود الوهمية التي تكبله وتمنعه من الارتقاء، وعندها سوف يضع الإنسان قدمه على أول طريق الكمال والسعادة الحقيقية، ويستنشق عبير الرقي والحرية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى