هل لنا أن نثق بالموقف التركي حيال استفتاء كردستان ؟

محمود الهاشمي
يكاد ان يكون الخطاب التركي هو الأعلى في مواجهة استفتاء أكراد شمال العراق , نسبة عن خطاب الدول الاخرى الرافضة , بما في ذلك خطاب الحكومة الاتحادية في بغداد, لكن وبرغم حدة هذا الخطاب , وحجم التهديدات التي اطلقها المسؤولون الاتراك, مازالت (الريبة) حاضرة من الموقف التركي , إذ عرف عن المواقف التركية في ظل حكومة حزب العدالة والتنمية , انها مرتبكة في علاقاتها الدبلوماسية , وهي التي اعلنت منذ بدايتها انها ستعتمد طريقة (تصفير الخلافات) لكنها شهدت تقلبات سريعة وحادة بعد الربيع العربي , وسرعان ما ارادت ان تسوّق نفسها على انها نموذج الدولة العثمانية (الحديثة) , فاختلفت مع الجميع وتحاول الان ان تعيد النظر بالكثير من مواقفها اتجاه العالم , وخاصة في القضية السورية التي ذهبت بها بعيدا . كما ان الخطأ الاكبر الذي ارتكبته تركيا كان في تعاملها مع العراق بعد عام 2003م, واتخاذها موقفا سلبيا اتجاه (الاحزاب الشيعية) الحاكمة واحتضانها جميع المعارضين للعملية السياسية في العراق , بما في ذلك المطلوبين للقضاء واستقبالهم وكأنهم مازالوا زعماء ومسؤولين في بلدهم ومنهم طارق الهاشمي ورافع العيساوي وشجعتهم للنيل من بلدهم وأعدت لهم الكثير من المؤتمرات !!.
في ذات الوقت فقد دعمت مسعود بارزاني وتعاملت معه وكأنه مازال زعيما للإقليم , برغم ان برلمان الاقليم لم يجدد له الولاية منذ عامين , بل راح اردوغان يسّوقه على انه الزعيم الكردي القومي للأكراد جميعا , حيث استصحبه الى مدينة ديار بكر الكردية وإذن له ان يلقي كلمة بالأكراد هناك , معتقدا انه سيغيض (عبد الله اوجلان) زعيم أكراد تركيا بذلك.
نعتقد ان اردوغان هو الذي ساعد الاقليم على اتخاذه قرار (الاستفتاء) بعد ان تعاملت حكومات اردوغان المتعاقبة مع العراق على انه مجموعة دول وليس دولة واحدة , ونتذكّر جيدا ان وزير خارجية تركيا عام 2012 زار كركوك دون اذن من الحكومة الاتحادية العراقية . كما هي من باعت له النفط خارج القانون العراقي والدولي , وأودعت اموال العائدات في مصارفها ..
ولا ننسى ان تركيا في ظل حكومة اردوغان , هي وراء دخول التنظيمات الارهابية الى العراق وسوريا , فقد وفرت لهم معسكرات التدريب وباعت لهم النفط واشترت لهم الاسلحة , ومنحتهم جميع التسهيلات في الدخول والخروج , وكانت سببا مباشرا في فقدان العراق ثلث اراضيه بيد الارهاب , وقد جرى ذلك بالتنسيق مع مسعود وقواته وأعوانه .
وفقا لهذه المعطيات اعلاه نعتقد ان تركيا من الممكن ان تضع بالحسبان الامور الاتية بشأن الاستفتاء في:
1- تركمان العراق منقسمون على بعضهم بشأن الاستفتاء فبعض يرى في الاستفتاء حقا طبيعيا للكرد . وعلى تركيا ان لا تحشر نفسها في وسط هذا الخلاف .
2- تدرك تركيا ان هناك ارادات خارجية كبرى مقتنعة (باستقلال) كردستان عن العراق , مثل الولايات المتحدة وحتى دول الغرب , برغم اعلاناتها الصريحة بالرفض لذا على تركيا ان لا تصطدم بهذه الارادات وتخلق لنفسها مشكلة مع الغرب .
3- الحكومة العراقية لا تعول عليها تركيا بموقف, فحكومة العبادي كانت الاخفض صوتا بشأن الاستفتاء مما يستدعي الانتباه والتريث خشية المخبوء من القرارات والإجراءات .
4- من الضروري ان تكسب تركيا موقف الاكراد داخل تركيا وعدم التصعيد مع اكراد العراق لان ذلك يخلق لها ازمة في الداخل , خاصة وإنها تمر بعدة أزمات اخرها ازمة (يحيى غولن), وقد يتفق الاكراد مع موقف جماعة غولن .
5- اردوغان يسعى الى تغيير النظام في بلده من النظام البرلماني الى الرئاسي , وقد يحتاج صوت النواب الاكراد في البرلمان . من حزب الشعوب الديمقراطي .
6- تركيا قد استفادت كثيرا من تصدير نفط الاقليم عبر أراضيها , وتخشى ان تكون ضغوطها على الاقليم , ان يضطر اكراد الاقليم بالعودة الى بغداد , وبذا ستخسر الكثير من المال , إذ ان اموال تصدير نفط الاقليم تودع في المصارف التركية .
7- عرفت تركيا بمواقفها المتقلبة السريعة لذا فأنها قد تغير موقفها على حين لحظة .
8- هناك دول خليجية ترغب في إقامة (دولة كردستان) مثل السعودية والإمارات , وهذه مستعدة (ربما) في الدفع الى اردوغان من أجل تحييده عن موقفه.
9- ربما تفكر تركيا ان الضغط على الاقليم يدفع به بالذهاب بعيدا مع الجمهورية الاسلامية الايرانية , وتنتقل حركة التجارة والاستثمارات اليها , وتخرج تركيا (خلية الوفاض) لأشد هذه التحذيرات لا تعني الايقان بها , وبان تركيا ستعمل بها لأنها ايضا ستكون الخاسر الاكبر في المعادلة , فتركيا تعلم جيدا ان (الاستفتاء) لأكراد شمال العراق سيحفز اكرادها الى الدعوة الى الانفصال , وبذا ستتشكل دولة معادية لها على حدودها مع جيرانها وتسيطر على حركة التجارة والمياه , وستحفز اكراد سوريا أكثر , وبذا ستتوفر فرصة لإعلان الدولة الكردية الكبرى وربما الوصول الى سواحل البحر المتوسط , وتتحول من دولة حبيسة الى دولة مفتوحة .
أقول يجب ان لا يعتمد على الرأي التركي كثيرا , ويحتاج من الاطراف الاخرى (العراق وإيران) ان تتواصل معها على جميع الصعد , وان توفر لها فرصة اتخاذ القرار الصائب لان أية خيبة في الموقف التركي, سيخلق لنا ازمات متوالية لا يمكن السيطرة عليها بسهولة. كما لا يسعنا أن ننكر مجموعة الاجراءات التي اتخذتها تركيا حتى اللحظة والمتمثلة في سحب الرعايا الاتراك والتشديد على الحدود وإجراء مناورات مشتركة مع القوات العراقية والامتثال لدعوة العراق في منع تصدير النفط عبر موانئها وإيقاف الرحلات الجوية وتدعي انها ستزيد من عقوباتها على الاقليم.



