السيد الجزائري: يجب علينا اليوم أن نأخذ درساً من ثورة الإمام الحسين «عليه السلام» ولا ننسى أننا عباد الله عز وجل

شدّد سماحة حجة الإسلام الدكتور السيد جاسم الجزائري على أن غياب الوعي في الساحة العراقية جعلنا الى يومنا هذا نعيش جملة من الفوضى..فينبغي اليوم الاستفادة من درس الحشد الشعبي وهذه الفصائل الخيرة فيجب تطويرها وتنميتها لانها شكلت فعلاً معنوياً وعقيدياً وعسكرياً فبفضلهم تغيّرت المعادلة ليس في العراق بل في سوريا.. جاء ذلك في خطبة الجمعة التي ألقاها سماحته في جامع بقية الله الأعظم..
مصطفى الحسيني/المراقب العراقي
بدأ سماحة حجة الإسلام الدكتور السيد جاسم الجزائري حديثه بقول الله تعالى (كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ..) إذ بيّن أن هذه الآية القرانية تتحدث عن صفة لربما إذا تجاوز الانسان بها الحد عن الحدود في طبيعة تكوينه وخلقه،قد يتحول الى أن يصبح طاغياً وقد يقف أمام حد أو حاجز، إذ أن علماء التفسير عندما يتحدثون عن مفردة الطغيان يقولون ان تلك المفردة هي تجاوز الحد لكل شيء في هذه الدنيا سواء أكان مادياً أو معنوياً له حد وهذا الحد هو الطغيان وكما ان العدل له حد وتجاوزه ظلم والحق له حد وتجاوزه باطل والحكمة تجاوزها الجنون وهكذا كل صفة من الصفات التي يتصف بها الانسان، فالشهوة لها حد وتجاوزها السفاح وغيرها من المظاهر الاخرى كالمثلية التي يشهدها العالم اليوم، وبتعبير آخر أن الطغيان هو تجاوز ما حده الشرع وما حده العقل،وقد ذكر مصاديق للطغيان في أحاديث للائمة أهل البيت (عليهم السلام) فواحدة من موجبات الطغيان أن يرى الانسان نفسه مستغنيا عن أي موجود ورؤيته الاستغناء ، فأن المال وان كان سبباً من أسباب طغيان البشر، ولكنه قد يكون الانسان صاحب مال ونعمة ولكنه متواضع..فطبيعة التعامل في الدنيا تدعو الى تعاون الانسان مع أخيه الانسان فلا يمكن أن يستغنى عن أي مخلوق من المخلوقات، فالإنسان بطبعه مدني يميل الى الاجتماع والتعاون وتكوين أسرة ولكنه مع الأسف يصل الانسان الى أن يطغى ولا تقف أمامه حدود، فنجد أول عقبة تواجه الأنبياء في دعوتهم هم الطغاة والحكام والمستبدون لانها تتعارض مع الثوابت، أذن ان المعنى الحقيقي للطغيان هو ان يرى الانسان نفسه لا غير ولذلك نرى الانسان لا يتنازل للآخرين، فظن الانسان واعتقاده بأن بماله هو الخلود وان يدفع الضر عن نفسه،فاليوم نلحظ أن الشعوب والأمم والبلدان عندما تنتكس فان الذي يعيد الحياة من الجديد هو وعي الناس ، فهنالك تجارب في اليابان وكوريا وألمانيا النازية التي نهضت من جديد واصبحت اليوم دولة عظمى بفضل وعي الناس ، فبفضل الوعي والتعاون الاجتماعي لأبنائها فالنتيجة تعود للأجيال التي تأتي لاحقا ، مع الاسف نجد اليوم غياب الوعي في الساحة العراقية مما جعلنا نعيش جملة من الفوضى . فنجد الانبياء عندما يبتليهم الله عز وجل بنصر أو معجزة أو مال كما في قصص الانبياء نجد ان جواب الانبياء هو «أن أشكر أم أكفر».. كما في قوله تعالى (ومَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ)، فهنالك تأكيد شرعي على ان الانسان عليه ان يستمر في استحصال المعرفة في حقل العلم وكذلك التدريس وأيضا هنالك تأكيد على التجارة،فنجد الانسان عندما يجمع المال ويصبح له جاه ويبدأ شيئا فشيء يبتعد عن الدين فليجأ اليه عند الحاجة له فيصبح من أعوان الطواغيت،ويتحدى الله عز وجل،فعندما نبحث اليوم في أسباب بعض الناس بأنهم يتجهون الى الالحاد فالله غير موجود ولا توجد ديانات ولا نبوءات ومنهم بعض رجال الدين الذين هم من المنظرين لهذه الظاهرة سواء في الوسط الشيعي والسني،فأن من الأسباب التي جعلت هؤلاء يتوجهون الى الالحاد منها الاعتدال بالنفس أي أنا الاكثر فهما والأقدر ولا يحتاج الى النبي وربما هو يشكل على النبي لانه شرّع هذا التشريع وفرض هذا الامر وجعل الصوم وجعل الزكاة وغيرها من العبادات,فاليوم المجتمع العراقي لو أردنا أنه نصنفه لا نستطيع ان نقول أنه مجتمع متدين لكنه مجتمع منفتح،فاليوم بقدر ما توجد مساجد توجد حانات خمر وملاهٍ وغيرها، فيمكن أن يقرأ الانسان القرآن وأن يقرأ شيئا آخر يبعده عن الله عز وجل، فاليوم يمكن للشباب ان يدخل الى يوتيوب ويشاهد مقاطع حسينية وربما يشاهد مقاطع أخرى فهنالك جو من الانفتاح في الساحة العراقية فان هذه التصرفات تنعكس على الاسلام فلو كان الاسلام حاضرا لما كثرت هذه السلبيات في المجتمع العراقي وكذلك المجتمع الايراني والتركي والسعودي، وهكذا ينعكس كل هذا على الاسلام, في حين هنالك فرق بين المسلم وبين الاسلام وبين المتدين والدين.
فالدين منظومة للخلق وللأفكار ولعقائد الدنيا ما يصلح للمرء في دنياه وآخرته ، سواء كان المتدين المنتسب الى دينه سماويا أو وضعيا،فاليوم ما في عالم من علماء في أي حقل من حقول المعرفة سواء في حقول مهمة كالفيزياء والكيمياء والطب وما تطور العلم إلا من خلال هذه الحقول فأية ظاهرة تحدث ومرض يظهر وما علاج يُعطى الى هذا المرض وما يحدث في العالم من خسوف وزلازل إلا وراءه اسباب…
اليوم سؤال يوجه الى كل العلماء والمتخصصين في العالم، أن الانسان منتج أم مكتشف للقوانين ؟!
فالجميع يقولون أن الانسان مكتشف للقوانين وليس منتجا فتطور العلم بدأ العلماء يقولون ان ثمة قانونا حاكما بالكون ، فالظواهر التي تحدث في الكون هي ظواهر تحكمها قوانين..وانما جاء نيوتن وغاليلو..وفلان وفلان أكتشفها ولم يوجدها..هنا السؤال من أوجد هذه القوانين ولماذا أوجدت هذا القوانين،ولماذا الله عز وجل جعل الكون برمته والأرض خصوصا صالحة لان يعمرها الانسان فقط دون غيره من المخلوقات .. هنا يأتي هؤلاء الناس يصلون الى مرحلة أما يقولون لا ندري أنها صدفة ، هذا الانسان المتمرد بداخله يتمرد على قوانينه وضوابطه التي جعلها حاكمة في مسيرته العلمية،ولذلك جاء في قول الإمام الحسين يخاطب ربه عز وجل قائلا: (إِلهِي أَنا الفَقِيرُ فِي غِنايَ فَكَيْفَ لا أَكُونُ فَقِيراً فِي فَقْرِي إِلهِي أَنا الجاهِلُ فِي عِلْمِي فَكَيْفَ لا أَكُونُ جَهُولاً فِي جَهْلِي…) ولذلك جاء في قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ َهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ..) فالخلق الأول أصعب من الخلق الثاني لان الخلق الاول ليس له مادة الله أوجدها والخلق الثاني له مادة يمكن تطويره كالاستنساخ البشري مثل نعجة «دلي» وهذا لا يعني الوصول الى قدرة تحدي الله عز وجل، وانما علم جعله الله عز وجل جملة من القوانين التي يسخرها للبشر وضمن تطور الحياة.
اليوم ليس هنالك استقرار في الساحة العراقية فالنظام البائد ثم الاحتلال الامريكي , ثم بدأت الماكنة الامريكية بالتفريغ من داعش والنصرة وجيش الاسلام والقاعدة وطالبان، ثم قضية استفتاء كردستان وانفصالها،فهذه القضية جاءت في زمن تدل على طبيعة الشخصية أقامت الاستفتاء هي شخصية عدوانية ولا يمكن الوثوق بها ، على الرغم من طبيعة الانفصال التي طالبت بها كردستان ، فالبعض ينظر اليها من وجهة نظر انسانية ولكن بشكل آخر أن ردات الفعل من قبل الحكومة مازالت الى يومنا هذا لا يتناسب مع طبيعة الحدث ولانه حدث في العراق وليس في تركيا وايران .
ينبغي اليوم الاستفادة من درس الحشد الشعبي وهذه الفصائل الخيرة فيجب تطويرها وتنميتها لانها شكلت فعلا معنويا وعقائديا وعسكريا فبفضلهم تغيرت المعادلة ليس في العراق بل في سوريا فسوريا اليوم تحرر 91% من أراضيها وكذلك العراق ولم يتبقَ سوى جيوب صغيرة ، فهذا كله تحقق بفضل هؤلاء الشباب… فعلى الحكومة الاستفادة من هذا المعطى وتنميته لتحقق اهدافها، فالخطر مستقبلا أنك لا يمكن أن تعوّل على الوجود السني السياسي والوجود الكردي،لذلك فأن الخطر في المرحلة القادمة (اقصد البيت الشيعي) حتى لو حصلنا على مقاعد في البرلمان بل ستكون أكثر ضررا لانها سوف تتوقف على جملة من التحالفات منها ضرورة أرجاع بعض الناس فيما يتعلق بجرف الصخر، وهي منطقة ذات عقود زراعية منذ الثمانينيات وانتهت عقودها وجعلت سياسة الأمر الواقع هي الحكم في وجودها، فهنالك إصرار على إرجاع هؤلاء الذين سفكوا الدماء وقتلوا، ففي الجانب السياسي يجب على الساسة ان يلتفتوا الى المرحلة القادمة ويجب ان نغير الوجوه ، أذن الطغيان أحد أسبابه هي السلطة ، فقد رُوِيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السَّلام) أنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) : «مَنْ مَدَحَ سُلْطَاناً جَائِراً أَوْ تَخَفَّفَ وَتَضَعْضَعَ لَهُ طَمَعاً فِيهِ ، كَانَ قَرِينَهُ فِي النَّارِ، وَقَالَ (صلى الله عليه وآله): قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ : ﴿وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ … ﴾ فيجب علينا اليوم أن نأخذ درساً من ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) حيث أن لا مال ولا علم ولا عشيرة ولا جاه تنسينا أننا عباد الله عز وجل.



