النسخة الرقميةثقافية

حكايات عن الجيران

إيمان البستاني

حيث نسكن، هناك حديقة منزلية تجلب انظار اي عابر حتى لو كان يستقل سيارة اسعاف لشدة تنسيقها والاعتناء بها وخضرة عشبها الذي لا ينقصه الا ان يتكلم الانكليزية يملكها صاحب دار ركنية كل وقته ماضٍ في قص الاغصان وسقي العشب وتقليم الازهار وتحديد حافات العشب مع الرصيف كأنه تم بمسطرة مهندس استشاري ترافقه عدة وادوات زراعية حديثة، اظنه لم يمانع ابداً في ان يرهن خاتم زواجه لحظة شرائها هو ستيني العمر له لحية متقاعد مشذبة كحديقته وقوام لا يخفي هرولة رياضية صباحية حافظ بها على طلعته، متجهم دائماً له وجه كرغيف شعير ولكنه يخفي خلف عصبيته الواضحة سيرة حياة مليئة بالمواقف ابطالها من الاصدقاء فقط وتخلو ساحة عمره من اقارب، هذا ما توحيه وحدته الازلية برفقة زوجة بلا ملامح شعرها بلون الحطب خشبية الصدر لكنها نشيطة حركة كأنها لا تزال على قيد الوظيفة نفس الهوس يوزعه على سيارته التي يبدأ بتنظيفها وتلميعها وتعطيرها، عملية تبدأ الوقت ضحى وتنتهي عصراَ.
اتساءل احياناً، ماذا يفعل بطل حكايتنا شتاءاً عندما تنخفض درجة الحرارة الى الاربعين تحت الصفر وتلتحف الارض بفراشها الثلجي؟ أظنه يحّول اهتماماته لصيانة وتلميع وتشحيم بنادق الصيد، هواية معظم الكنديين، واتصور يمتلك دزينة منهم ومرتبة جميعاً بخزانة خشبية لها واجهة زجاجية تستقبل الضيوف لتكون محور حديثهم.
من صفاته المرئية، انه لا يكلم احداً، مرة واحدة كسر صمته حين تكلم مع جارة تسكن بعيداً كان تمر بسيارتها في توقيت يقول انه سينجو من اي مساءلة زوجية، وقف في وسط الشارع كأنه شرطي ينتظر منها اخراج رخصة قيادتها، اعترضني موكب حديثهم فاتخذت مسيراً بعيداً عنهم ليكملوا ما بدأوه ومن يومها كلما مررت بسيارتي اجده يتلفت ليمنحني ايماءة شكر.
لصاحب الحديقة الانيقة جار ملاصق له يشترك معه في الهواية، يعتني هو الأخر بحديقته وأظنه يعدّها كابنة له بدلاً من التي هجرته ملتحقة بحبيبها وهذا افتراض مني ليس الا. هذا ما ينضح به وجهه الممتلئ كدب غابة، يوزع ابتساماته المجانية للمارة وكأنها دعوة مفتوحة للحديث لم يفلت منها حتى سابع جار، فتراه ماسكاً في كل فرصة بتلابيب احدهم.
يقابلهم جار ثالث على النقيض منهم لم يفكر يوماً بسقي او الاعتناء بمقدمة منزله حتى بدا كأن اصحاب الدار قد غادروه منذ مدة لحصولهم على عقد عمل ما وراء البحار.
أما الجار الذي شتله الحظ خلف دارنا فهو من الذي ينطبق عليه المثل السائد (خوفك من البدوي من يستحضر)! فلبيني مهاجر هو وزوجته وطفله اراد ان يكون كندياً في خمسة أيام، فقام بجلب كلب للدار آسوة بأهل البلد. الكلب برغم ضألة حجمه قياساً بالماموثات المنتشرة يمنة ويسرة، الا انه والحق يقال يفوق كل كلاب كندا ازعاجاً، ينبح بشكل يخرق القانون، فقام بعد ان انهالت الشكاوي عليه بالتبرع به او التنصل من افعاله خوفاً من ان يتفاجأ يوماً بسيارة شرطة بكامل عتادها وعديدها تصادر كلبه وتترك في يده غرامة الله وحده يعرف مبلغها. تراه يوماً يعطيه لجارته الطالبة التي ابتلاها اهلها بمسؤولية رعاية كلب صامت فتراها تركض خلف هذا المنبوح ليسكت، ثم ترميه أخر النهار من السياج على صاحبه الفلبيني، ويوم أخذه لجار ثالث ماتت قطته، هذه المرة تم طرد الكلب بعد ثلاث ثوان للفرق الشاسع بينه وبين المرحومة.
أما جارنا الصيني فهو حكاية لوحده، إلا ان المسكين مريض بالمرض الذي تخاف عجائز بغداد من ذكر أسمه مما جعله يرتدي طول الوقت باروكة شعر مستعار، نزق الطباع مما تبوح به طريقة تعامله مع زوجته المكافحة التي تمتلك هواية الحدائق يفوق مما يمتلكه الجميع. كم مرة كدت ان ارشها بالماء دون علم مني انها ممطولة على العشب تنقيه من الحشائش.
ما جعلني اتعرف على هذه الوجوه دون غيرها، هي تلك شجرة التفاح القابعة نهاية حديقتنا ثمرها له طعم حموضة يقص اللسان، لا ينفع للاكل ولا لاي تحضيرات اخرى سوى ان تقطفه وتكتب عليه مجاناً، فيأتي ابطال الحكاية الوارد ذكرهم اعلاه يأخذون حصتهم كل عام منهم من يشكر في اللحظة وينسى بقية السنة ومنهم من يشكر في كل مرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى