التفكير البدائي للعقل البشري في العصر الحديث


ياسين عامر عبد الأمير
من الصعب والمستحيل ان ترضي جميع الناس بكلامك وافكارك ومعتقداتك، ولكن سوف ترضي بعض العقول التي تكون افكارها ومتعقداتها مشابهة لافكارك. من هذا المنطق نتحدث عن طبيعة العقلية البدائية للبشر.كتب ابن طفيل، الفيلسوف الاندلسي المعروف، قصة فلسفية بعنوان (حي بن يقظان)، وكان يقصد من كتابة هذه القصة ان يشرح للقارئ طبيعة العقل البشري كما يفهمها هو، وقد تخيل ابن طفيل فيها انساناً ولد وترعرع في جزيرة منعزلة حيث ارضعته ظبية وظل ينمو في تلك الجزيرة وحيداً حتى بلغ مبلغ الرجال.
يقول ابن طفيل: ان عقل هذا الانسان اخذ ينمو بنمو بدنه حتى تم نضوجه في تلك الجزيرة، واستطاع ان يفكر ويستنتج حتى توصلَ بتفكيره المجرد الى الكثير من الحقائق الكونية التي توصل اليها الفلاسفة العظام من قبل.
يريد ابن طفيل في هذه القصة ان يبين ان العقل البشري جهاز فطري وانه ينمو من تلقاء ذاته، فلا حاجة به الى التدريس والتلقين ويبدو ان ابن طفيل يرى ان العقل البشري حين ينمو بعيداً عن سخافات المجتمع وأباطيله يصبح أسلم تفكيراً و أصح استنتاجاً.
وقد لاقت قصة (حي بن يقظان) هذه رواجاً عظيماً بين المفكرين وترجمت الى الكثير من اللغات، والغريب ان كثيراً من كتابنا ومفكرينا لا يزالون حتى يومنا هذا متأثرين بهذه القصة ويعدّونها الكلمة الاخيرة في قضية العقل البشري، ولا يزالون يؤمنون بأن العقل البشري موهبة طبيعية تنمو من تلقاء ذاتها سواء أعاش الانسان في مجتمع ام عاش منذ ولادته وحيداً منعزلاً.
اما الأبحاث العلمية الحديثة فهي تكاد تجمع على خطأ هذا الرأي، حيث ثبت اليوم ان العقل البشري صنيعة من صنائع المجتمع، وهو لا ينمو او ينضج الا في زحمة الاتصال الاجتماعي، فاذا ولد الانسان وترعرع بين الحيوانات فانه يمسي حيواناً مثلها، وما قصة (حي بن يقظان) التي ابتدعها خيال فيلسوفنا الرائع الا وهم لا وجود لها في عالمنا الذي نعيش فيه.
إنَّ إي انسان لا ينمو عقله الا في حدود القالب الذي يصنعه المجتمع له، ومن الظلم ان نطالب انساناً عاش بين البدائيين مثلاً ان ينتج لنا فلسفة معقدة كفلسفة برجسون او رياضيات عالية كرياضيات أينشتاين.
ظنَّ القدامى بأنَّ التعصب أمر طارئ على العقل البشري حيث اعتقدوا بأنَّ العقل ميَّال بطبيعته الى الحياد في النظر والنزاهة في الحكم، فإذا رأوا انساناً يتعصب لرأيه غضبوا عليه ولعنوه وما درو بأنهم مثله متعصبون. تشير الأبحاث الحديثة الى ان التعصب صفة اصيلة في العقل البشري في العصر الحديث وأن الحياد أمر طارئ عليه.
يقول أينشتاين: إنَّ مشكلة العقل البشري هي أنه يريد ان يخضع الكون كله للمقاييس التي اعتاد عليها هذه، والمصيبة إنَّ الإنسان مؤمن أنَّ هذه المقاييس النسبية مطلقة وخالدة وبعدها من البديهيات التي لا يجوز الشك فيها فهو قد اعتاد على رؤيتها تتكرر يوماً بعد يوم فدفعه ذالك الاعتقاد بأنَّها قوانين عامة تنطبق على كل جزء من اجزاء الكون.
إنَّ التعصب في الرأي والمعتقد صفة من الصفات الكثيرة الموجودة في العقل البشري للإنسان ولعلَّنا لا نخطئ إذا قلنا: ان الانسان كلما ازداد تجوالاً في الآفاق واطلاعاً على مختلف الآراء والمذاهب انفرج عنه إطاره الفكري والذي نشأ فيه واستطاع ان يحرر تفكيره من القيود قليلاً او كثيراً، وكلما كان الانسان اكثر انعزالاً كان اكثر تعصباً واضيق ذهناً، فالذي لا يفارق بيته التي نشأ فيه ولا يقرأ غير الكتب التي تدعم معتقداته الموروثة لا ننتظر منه ان يكون محايداً في الحكم على الأمور.
فأنت اذا جئت للإنسان بأقوى دليل تريد ان تقنعه على رأي يخالف تقاليده السابقة، لوى عنك عنقه وعدَّ دليلك سخيفاً او غير معقول.
وانت قد تندهش حين ترى خصمك لا يقتنع بالبرهان القوي الذي اقتنعت به، وكثيراً ما يجابهك الخصم بالسخرية الاذعة حين يستمع الى برهانك فتحقد عليه ولعلك تتهمه باللؤم والمكابرة، ويجب ان لا تنسى ان خصمك يتهمك في قرارة نفسه باللؤم والمكابرة ايضاً.
يقول الدكتور علي الوردي: كنت ذات يوم في مجلس ضمّ جماعة من رجال الدين، وقد اجمع هؤلاء الرجال أثناء الحديث على أن سكان الأرض كلهم ملزمون بأن يبحثوا عن الدين الصحيح، فإذا وجدوه اعتنقوه حالاً فكل انسان في نظر هؤلاء مجبور ان يترك اعماله ويذهب سائحاً في الارض ليبحث عن الدين الحق.
قلت لهم: (لماذا لم تسيحوا أنتم في الأرض للسعي وراء الحق)؟ قالوا وهم مندهشون لهذا السؤال السخيف: (إنَّنا لا نحتاج إلى السعي وراء الحق لأن الحق عندنا).
إنهم يتخيلون أنهم وحدهم اصحاب الحق من دون الناس ونسوا ان كل ذي دين يؤمن بدينه كما يؤمنون هم بدينهم فأينما توجهت في انحاء الأرض وجدت الناس فرحين بعقائدهم مطمئنين إليها ويريدون من الأمم الأخرى ان تأتي إليهم لتأخذ منهم دين الحق الذي لا حق سواه. كلٌّ منكما مؤمن بما عنده، و كل حزب بما لديهم فرحون.
سألت احد الاصدقاء الذين يؤمنون ايماناً قوياً بمعتقداتهم وكان سؤالي: (هل انت على حق)؟ فقال لي نعم، ومن الذي يكون على الحق غيري وانا انتمي لهذا المذهب. فقلت له: وهل برأيك ان الذين لا ينتمون الى مذهبك او عقيدتك على صواب، فكان جوابه (ليس على صواب بل على خطأ).
فقلت له: لو انك ولدت وعشت في ذلك المكان الذين يعيشون فيه الذين يختلفون عن معتقداتك وافكارك ومذهبك لكنت تقول نفس الكلام ومؤمن بمعتقداتهم نفس الايمان الذي انت مؤمن به الان ولكن فرق المكان والافكار الموروثة من ابائك واجدادك هي التي تجعلك متمسكاً بهذه الافكار.
فإنَّ التفكير الحاصل للعقل البشري هو تفكير بدائي يعتمد في نشأته على المعتقدات الموروثها من ابائهم واجدادهم وأن غير تفكير يكون ضد تفكيره هو خاطئ.
وإن الصراع والتنازع الحاصل بين افراد المجتمع في عصرنا هذا هو نتيجة للافكار والمعتقدات المتعصبة بالرأي وعدم قبول الرأي الاخر او سماعه، ويذهب بعض عقول البشر في تفكيرهم ان سماع معتقدات معادية لمعتقداتهم وافكارهم يعدّ في نظرهم كفراً ولعنة الله عليه و سوف يذهب الى جهنم. ونسوا إنَّنا في عصر الحداثة والتطور والانفتاح على الشعوب الاخرى والتعرف عن هذه الشعوب كيف تفكر وما معتقداتهم وما دينهم او مذهبهم؟، وان هذا التطور هو تطور للعقل والابتعاد عن التعصب والافكار الرجعية البدائية.ان علاج هذا الفكر يبدأ بالاطلاع على الكتب التي تختلف عن مبادئك الشخصية والانفتاح على الصحف والمجلات، والعيش بعيداً عن التفكير البدائي والتقرب الى العقل الذي يسمع ويعقل ويتفهم الرأي الاخر ومن ثم يأخذ به بعين الاعتبار ام لا، ولا يحكم عليه قبل هذا ويعدّنوه شيئاً مكروهاً او مخالفاً له.
فاذا تمكن الانسان من الاختلاط والابتعاد عن هذه العقلية البدائية والذهاب للعقلية المدنية الحديثة يصبح انساناً متكمناً من الاستفادة بالعقلية البشرية ونعمتها التي انعمها الله لنا.
لنصبح من العقول المتطورة التي بوسعها فهم المقابل والاستفادة منه بنفس الوقت.



