المراقب العراقي تنشر رواية «المتلصّصة» للكاتبة اللبنانية زينب فياض


الحلقة الخامسة عشر
زينب محمود فياض كاتبة من لبنان. ولدت وعاشت في الكويت، ثم انتقلت إلى لبنان لتكمل تعليمها في دراسة الأدب العربي. تنقلت بين التعليم وإعداد وتقديم برامج الصغار التلفزيونية. كانت من المشاركين في تأسيس جمعية (حواس) الثقافية. أصدرت أول رواية لها (المتلصصة) والتي تنشرها (المراقب العراقي). لها كتاب حواري مع الفنان والاعلامي والاستاذ الجامعي عبد الحليم حمود اسمه (المطرقة)، ولها روايتان قيد الطبع.
كتبت زينب فياض هذه الرواية لتستفز العقل الراكد في مستنقع الخيبات. بدأ من عنوانها الذي أثار بعض الجدل والتحفظات حيث أن هذه الصفة قد تبدو للمجتمع سلبية ومحرضة للعقل ليتجه بتساؤلات مستنكرة. كيف لمتلصصة أن تجهر أمام الجميع بهذا الفعل المثير للريبة.إحتراق
«كيف يكون ذلك الحب ذرّياً؟ أن تنشطر خليّتان من قلبي هرباً لنواة روحك لنشتعل. لدينا ما يكفي من الطاقة لنهب الكون مفاعلاً عشقياً».
تبسَّم فرات حين قرأ ما كتبت «مازلتِ في العشق طفلة. تمتّعي بذلك بكلّ ما أوتيتِ من شغف». هو بتلك الكلمات يحاول جاهداً أن يصوّب لي طرائق التفكير بالحبّ، ذلك أنه قد أصبح طاعناً بهذه المشاعر، وقد مرّ عليه الكثير. الحب في الكِبر مختلف جداً فهو أنضج وأكثر تعقلاً. أ يبادلني الحب أم أنّه كسلطان يرمي لي بفتات قلبه لإستمر بالحياة خوفاً عليّ من الجوع؟ المتخمون عشقاً لا يشعرون بألم الجوع.
فرات دوماً غارق في عمله وأنا بجانبه. يحاول دوماً أن ينبهني ويوقظني من غفلة الصبابة التي انتابتني في تلك المدة. تعرّفت إلى معجباته وصديقاته وحتى زوجته. حاولت جاهدة أن أتقبل الفكرة، ولكن كلّ محاولاتي باءت بالفشل. الغيرة والوجع وإختلاق المشاكل كانت سبباً كافياً لأجنّ وأغضب. كنت الفراشة التي اتّجهت للضوء عارفة بموتي حين دخلت مجرى الانبهار. لذّة الإحتراق حجبت عني الألم حينها. أحسست أن الجميع يسخر مني فهم يعرفون كم أنا بلهاء بهذا الحب. هناك ثلاثة أنواع من الحب، الحب من طرف واحد والعشق المتبادل من الطرفين، ونوع آخر لم يكن يتقنه سواي، الإحتراق.
ـ ماذا يُسمّى هذا المكان من القلب؟
ـ لا شيء، هناك أماكن يطلق عليها «لا شيء» كي لا يعرفها الكون، لتظل سرّية عذراء من آثار البشرّية. وهذا المكان في قلبكِ يمكنكِ أن تسمّيه ما شئتِ. لن يجادلكِ فيه إلاّ الله والراسخون بالعشق.
ـ هؤلاء يمكنني إقناعهم؟
ـ لا، يمكنهم أن يعذروا تعاستك.
هذا ما قد قاله لي هادي لينتشلني من دوّامة الحيرة التي صارت توأمي مذ عرفت فرات. «أنا أعشق فرات، وهو لديه عشرات العشيقات وزوجة». أخذ هادي يدي التي ترتجف ووضعها في يده الدافئة. لأول مرة منذ سنة أتذكّر والدتي، كيف هو شعورها حين أمسك هادي يوماً بيديها. هل أحست بهذا الدفء الحريري المنساب المتدفق المفعم بالحنان؟ تمنّيت لو أن شعوراً كهذا قد انتابها. سألني هادي مستفسراً عن طريقة تعامل فرات معي. بمَ يمكنني أن أجيبه؟ إنّي غارقة فيه، وهو في مركب الأمان ينتظر نجاتي أو غرقي. ليس بيده حيلة فهو يعلم كيف هو العشق وينتظر أن يُفكّ سحر الهيام عني يوماً من دون أن يؤذي مشاعري. «هل تعلم يا هادي، أخبرته مراراً أنني أقامر وأغامر بهذا الحب عن سابق إصرار. هل تعلم ما اخبرته»؟ لم ينبس هادي ببنت شفة تاركاً لي كلّ المجال لأكمل حديثي. «حب برسم الانفجار.. نضع رصاصة واحدة في سلاحنا، كلّما حاولنا الافتراق. نلعب لعبة الروليت. نضغط على الزناد، إن أصابت الرصاصة موضع ألمنا كانت النهاية وإلّا فسنعيد الوجع نفسه يومياً بانتظار الرصاصة الوحيدة التي ربما لم نضعها أساساً، ليس تردداً بل لنشعر بلذّة الخوف من أن يفقد أحدنا الآخر». على الرغم من أنني أعلم ماهية علاقة فرات بي إلّا أنني كنت أكرّر وأعيد دوماً جملتي له «أنت وثني بعشقك يمكنك أن تضع عشرات المشاعر والأحاسيس في قلبك وأنا موحّدة في عشقي». يغمرني بحنانه المعتاد دوماً ويقول «يا صغيرتي». هذه الكلمة كفيلة بإخباري أنّ حبّه لي شفقة.
أن تعشق بوحدانية لا تُشرك بقلبك إلّا الحبيب، كمن يُنجب الغبار. تمرّ على طين الذكريات. تعلق قدماك بقصيدة تخالها أُثقِلت بكثافة الصمت، تُرتلها بشغف علّ الصدى ينهاه عن شِركه. يُعاني الموحّد وثنية الحبيب. قرابينه لن تجدي نفعاً. ما جدوى القرابين وقلبك المتعبّد في ظلّه مُنهك. هو على قيد الحبّ وأنت على قيد الوجع.
كانت كثيرة هي نقاشاتنا عن الحبّ. كلما غضبت وفقدت صوابي يخفّف من جنوني باحتضاني. طلبت منه مراراً أموراً أكثر وأعمق من أن يغمرني ويقبّلني. أردت الخوض في كلّ أمور العشق معه. هو دائم التحفّظ معي. يبرر لي ذلك بامتلاكِ الجزء الأكبر من قلبه. فهو لديه أجزاء كثيرة وزوايا أكثر لكلّ عشيقة ومعجبة.
كمن يبرر لشمس اختفاء ظلّه كان يبرّر لي احتكاري لأكثر عقارات قلبه. لم أستغرق بالتهكّم كثيراً. لنتفقه الشمس غياب ظلّك فهي لا تعلم أن اكتظاظ المدن وتلوّث السماء ودخان الجشع قد تغيّر ظلال الأشياء كيفما شاءت. «حسناً عقارات قلبك محتشدة بهن، إذاً اترك لي عنقك هل استباحته إحداهن»؟ أجابني ضاحكاً مستغرباً ومندهشاً «هذا صك ملكيته لكِ وحدكِ». أقنعت نفسي بعدم قدرتي على فهم جشع دخان قلب الرجال واكتظاظ نبضاتهم بإعجاب ولهفة النسوة. لن أستطيع يوماً أنّ أفهم وأستوعب تغيّر ظلّ الرجال. برأيي (ظلّ حيطة ولا ظلّ رجل) هي أقوى بكثير من أمثال جدتي والدة أمي التي أقحمت ذاكرتها النسويّة الراضخة في ثقافتي، حين كنت مراهقة. الحق كلّ الحق برضوخي لروحك وتعلقي بحائط قلبك كعشبة معربشة، هو أمثال جدتي التي تلاحقني. لعنة ظلّ الرجل أكبر شاهد على أن جدتي نصف محقة والنصف الآخر أمثال أنا سأخترعها لاحقاً. كلّ ما أعلمه أني بت أخترع الأمثال والحكم لأجد ألف مبرر لتعلقي بفرات. حين نفدت كلّ حججي وخارت قواي قررت أن أطلب منه أمراً مجنوناً.
حين دعوته إلى منزلي تلك الليلة كنت قد هيأت الكثير من الحجج والأفكار لأقنعه بما سنقوم به. ربّما كان يعلم فرات بما سأطلبه. هو يعرف آخر مطاف الجنون به سيكون الهذيان إلى حد الاحتراق. على باب بيتي وقف منتظراً جاهزاً ليخفف من عبث الحماقة التي حضّرتها. ربما يدري مسبقاً بما سأقوم به.
في ذلك اليوم لم يُجبني فرات. لم ينفِ ولم يؤكد كأنه يريد إخباري أن تلك الأنثى لم تأتِ بعد. بدوت مرتاحة جداً لعدم جوابه، فهو إن أجاب بالنفي سيحرق قلبي، وإن أكد بالإيجاب فلن أصدقه. أحببت سكوته بل عشقت احترامه لمشاعري. كلّ ما كان يهمني في تلك الليلة أن بصمات رائحته علقت على جسدي وأنفاسه غزت كلّ خلية مني. هي معركتي التي انهزمت فيها بكلّ فخر كما خططت لها منذ أن التقيته قبل أشهر حين صافحني لأول مرة.لا أعلم لماذا تلك الليلة وبعد ذهابه جلست أفكر في عارف. هل كنتُ أخبره بكلّ ما جرى؟ كيف ستكون ردة فعله؟ أين أنتَ يا عارف، منذ أشهر وأنت غائب؟ أين استقر بك هذا الكون؟ كم أشتاق لأحدّثك، لأسمع أكثر عن تعاستك. هل فعلاً أنا بحاجة لتعاسته وأنا بغمرة العشق ونشوة الحب أم هو تأنيب ضميري لأني حين انغمست بلذة الحب كرهت التعاسة والبؤس؟ لو أحظى بك هذه الليلة فقط. كم أنا بحاجة لشخص كعارف ليشاطرني مكنونات مشاعري الغريبة التي شعرت بها للمرة الأولى. ربما في المرات اللاحقة وفيما بعد لن أحتاج لعارف. هي هذه الليلة فقط. بحثت عن علبة لفافة التبغ لأدخن. هذا الشيء الوحيد الذي سيشعرني بوجود عارف في تلك الليلة، مع أني نسيت التدخين كلياً مذ تعرفت إلى فرات. أدخن إلاّ لمواساة عارف. «ليتك هنا يا صديقي التعيس».



