اخر الأخبار

الإسلام والحياة.. خصائص المجتمع النامي والمجتمع الإسلامي

941

أنّ العبادة لا تنفصل عن صميم الإسلام، وأنّ بعض الأشخاص ممّن اطّلع على الفكر الإسلاميّ قد سبّب لهم هذا الاطّلاع أن ينظروا إلى العبادة نظرة ازدراء وامتهان، ولكنّ هؤلاء على خطأ لأنّ العبادة جزءٌ لا يتجزّأ من الإسلام على الصعيد النظريّ والعمليّ في آنٍ واحد، فلا العبادة لها نكهتها دون الفكر والتعاليم الاجتماعيّة الإسلاميّة، ولا الفكر والتعاليم لهما طعمهما دون العبادة، فلا بدّ من اجتماع الاثنَيْن..إنّ هؤلاء المؤمنين، في الوقت الّذي يطلبون فيه الكثير من الخير، فهم يقرنونه بمرضاة الله تعالى، أي يطلبون رضاه (جلّ شأنه) مقرونًا مع الخير الكثير، فطلبهم الكثير يصبّ في طريق الحقّ والحقيقة.
شخصيّة النبي صلى الله عليه
وآله وسلم القياديّة
قال أحد الأوروبيّين: إنّنا لو أخذنا بعين الحسبان ثلاثة أشياء، فإنّنا سنعترف عندها أن لا وجود لشخص في العالم كمحمّد صلى الله عليه وآله وسلم، ولا قيادة فيه كقيادته. وهذه الأشياء هي:
• عظمة الهدف وأهميّته. نعم، لقد كان الهدف عظيما ومُهمًّا للغاية، إذ حدث انقلاب في الروح العامّة للناس ومعنويّاتهم وأخلاقهم وآرائهم ونظمهم وتقاليدهم الاجتماعيّة.
• ضآلة حجم الإمكانيّات والوسائل آنذاك. ماذا كان عنده من أدوات ووسائل؟ لقد كانت معه عشيرته الأقربون، فلم يكن لديه مال ولا قوّة، ولا مساند ولا ناصر. إنّها أعجوبة حقًّا أن يتمكّن شخص واحد من كسب الناس، وجعلهم يؤمنون به، ويلتفّون حوله، حتّى أصبح أكبر قوّة في العالم.
• سرعة الوصول إلى الهدف، إذ أصبح أكثر من نصف النّاس في العالم مسلمين خلال أقلّ من نصف قرن. عند ذلك يثبت ما ذكرناه من أنّه لا وجود لقيادة في العالم كقيادته صلى الله عليه وآله وسلم.
خصائص الإسلام التنمويّة
إذا وجد أناسٌ في أيّ زمان ومكان كانوا، واعتنقوا الإسلام، وعملوا بأحكامه، فإنّهم سيحملون المواصفات المذكورة ذاتها من نمو، وتكاثر، وكمال، واستقلال، ونيل إعجاب الآخرين وانبهارهم. فالخصائص إذًا هي خصائص الإسلام وليست خصائص الناس، وهي نابعة من الإيمان بالإسلام واتّباع تعاليمه. وما جاء الإسلام ليعطّل طاقات المجتمع ويقف حائلًا دون تفتقها، أو يُرغم المسلمين ليعيشوا في دوّامة من المراوحة الرتيبة. كلا، إنّه دين التّنمية والتحرّك والنشاط، ودين برهن من الناحية العمليّة أنّه قادرٌ على الأخذ بيد المجتمع إلى الإمام حيث الرقيّ والتقدّم. ولاحظوا ماذا أحدث الإسلام من ثورة، وماذا قدّم من عطاء في القرون الأربعة الأولى من حياته!ولو كان الإسلام من دعاة الجمود والانكماش والرتابة لظلّ يراوح في مكانه بين العرب! ولو لم تكن له حضارة لما تقدّم، ودعا إلى التطور والتقدّم، وما تلك الحضارة الباهرة الرائعة الّتي صنعها على مرّ التاريخ، وما تلك المعطيات الحضارية والثقافية التي زخرت بها حضارته الأولى، إلّا دليل على أنّه لا يتعارض مع تطور الزمن وتقدّمه!.
نظرة الغربيّين للإسلام السياسيّ
إنّ من الإنصاف القول إنّ «للغوستاف لوبون» دراسات متعدّدة حول التاريخ الإسلامي، وكتابه قيّم للغاية. ولكن يتطرّق أحيانًا إلى موضوعات تبعث على العجب والدهشة، ولا غرو فهذا هو ديدن الغربيّين وأسلوبهم. إنّه عندما يصل به المقام إلى الحديث عن أسباب انحطاط المسلمين وأفول الحضارة الإسلاميّة، يذكر – غباءاً – تعارض الإسلام مع متطلّبات العصر كأحد الأسباب. وهذا هو فهمه كإنسان غريب عن الإسلام وحضارته، حيث ينظر إليه من زاويته الخاصّة فيقول: «إنّ الزمن في تطور، لكنّ المسلمين يريدون أن يبقى الإسلام في كلّ عصر على حالته التّي كان عليها في عصره الأول، وهذا أمر لا يمكن تحققه. وكذلك فهم بدل أن يتركوا الإسلام جانبا، ويسايروا تطوّرات العصر، نراهم بقوا على تمسّكهم بالإسلام فانحطّوا وتخلّفوا»ويستطرد قائلاً: «إنّ من المبادئ الإسلامية الرائعة المعطاءة مبدأ المساواة الّذي أتى أكله في عصر صدر الإسلام، ومهّد السبيل للشعوب الأخرى لتدخل في دين الله أفواجا، ولا سيّما من غير العرب كالفرس الّذين اكتووا بنار ظلم حكّامهم وعلمائهم من المؤبدين. وهؤلاء عندما اطّلعوا على ذلك المبدأ العظيم انفتحوا على الإسلام واعتنقوه؛ لأنّهم لم يجدوا فيه تمييزًا عنصريًّا أو طبقيًّا، وراقت لهم تعاليمه الساميّة. لقد كان هذا المبدأ في بادئ الأمر يصبّ في خدمة المجتمع الإسلاميّ، وظلّ المسلمون الّذين جاؤوا فيما بعد على إصرارهم وتعنتهم في الاستمرار بتطبيق هذا المبدأ في العصور اللّاحقة في حين أنّهم لو نبذوه جانبًا لظلّت زمام الأمور بأيديهم، وكانت لهم السيادة والحاكميّة.
النظرة الصحيحة لمتطلّبات العصر
إنّ هدف الإسلام هو إقرار المساواة بين النّاس بشكل تامّ، ولو شرّع الإسلام مبدأ نفعيًّا على النحو المؤقّت، أي: مثلًا، لكسب بعض الناس والاستفادة منهم، ثمّ بعد ذلك نقضه لما كان إسلاما حقيقيًّا بمعنى الكلمة. ولا شكّ، فإنّ هذا هو دأب السياسة الأوروبيّة أنّها تسنّ مبدأ، ثمّ تنسفه من وحي الدوافع المصلحيّة. فمثلًا، تصدر وثيقة حقوق الإنسان لتنضوي بقيّة الشعوب تحت سلطتها وهيمنتها كما حدث ذلك، وإذا ما انضوت فإنّها تقول لها: كلّ هذا الكلام لا طائل تحته ولا قيمة له.هذا هو أسلوب التفكير السائد عند هؤلاء. أنّهم يقولون: إنّ الإسلام فظٌّ غير مرن ولا ينسجم مع متطلّبات العصر، وبعبارة أخرى مع السياسة. ونحن نقول: إنّ الإسلام جاء لمحاربة أمثال هذه السياسة المنحرفة في العالم. إنّه لا يعتقد بمتطلّبات العصر الّتي يريدها هؤلاء، ولا يقرّ بها كمستلزمات حقيقيّة للتطوّر والتقدّم. إنّه يعدّها انحرافات العصر لا متطلّباته، ويعلن محاربته لها ووقوفه ضدّها. فإنّ الإسلام ما جاء إلّا ليكافح هذا اللون من السياسة، ويعمل كلّ ما في وسعه لخدمة البشريّة وإسعادها، وهو – بلا شكّ – الحارس الأمين لها، ولو كان قد أبدى شيئًا من المرونة والتنازل، فلا يعدو أن يكون إسلامًا، بل حيلة ومكرًا. إنّ الإسلام هو الحافظ الصحيح للأمور، وهو الحقيقة ذاتها، والعدالة نفسها. وأساسًا، فإنّ فلسفته في مثل تلك المواقف المذكورة ينبغي أن تكون قويّة متصلّبة.وإنّ سياسة علي عليه السلام هي الّتي جعلت منه حاكما على قلوب الناس قرونًا عديدة. إنّه دافع عن أفكاره في عصره، وظلّت أفكاره بمثابة مبادئ ثابتة ودروس ذات مغزى في العالم، لهذا فإنّ منهجه صار عقيدة وإيمانًا بين الناس، إذًا، من التوقّعات الخاطئة الّتي ينتظرها هؤلاء فيما يخصّ الانسجام مع متطلّبات العصر، هي أن يتلّون السياسيّون بلون كلّ عصر، ويتّصفوا بالدّهاء والمكر والخديعة؛ كالثعلب الماكر، مطلقين على ذلك اسم المرونة والذكاء والانسجام مع الزمان. ويتوقّعون من الإسلام أن يكون كذلك، وأن يسمح لمعتنقيه بأن يكيّفوا أنفسهم مع الزمن، مدّعين أنّ نقص الإسلام يكمن في عدم مرونته وانفتاحه على التطوّرات الحاصلة في كل عصر. وقد غاب عنهم أنّ من دواعي فخر الإسلام واعتزازه أنّه وقف بكلّ صلابة، أمّا هذه الأباطيل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى