الدنيا دار إبتلاء وإمتحان
إنّ هذا العالَم الدنيويّ لما فيه من النقص والقصور والضعف لا يكون دار كرامة ولا محلّاً لثواب الحقّ سبحانه ولا محلّاً لعذابه وعقابه، لأنّ دار كرامة الحقّ عزّ و جلّ عالَمٌ تكون نعمه خالصة وغير مشوبة بالنقم، وراحته غير مخلوطة بالشقاء والتعب، ومثل هذه النعم غير متوفّرة في هذا العالَم الدنيويّ، لأنّه دار التزاحم والصراع. وإنّ كلّ نعمة من نعم هذا العالَم هي دفع للآلام..بل إنّ مادّة هذا العالَم الدنيويّ تتمرّد على قبول الرحمة الخالصة والنعمة المحضة غير المشوبة بالمكاره. وهكذا العذاب والشقاء والآلام والتعب في هذا العالَم لا تكون خالصة، بل يكون كلّ ألم وتعب محفوفاً بنعمة أو نِعَم، فإنّ مادّة هذا العالَم تتمرّد على قبول العذاب الخالص المطلق,وإنّ دار عذاب الحقّ سبحانه ودار عقابه، دار فيها العذاب المحض والعقاب المحض، وإنّ آلامها وأسقامها لا تُضاهى بآلام وأسقام هذا العالَم الدنيوي، كأن يمسّ العذاب عضواً دون آخر، أو يكون عضو سالماً وفي راحة والآخر في تعب وشقاء,فعالَم الدنيا دار تكليف، ومزرعة الآخرة، وعالم الكسب. وعالم الآخرة دار جزاء ومكافأة وعقاب. إنّ الذين يتوقّعون من الحقّ سبحانه أن ينتقم في هذا العالَم من كلّ مرتكب معصية أو فاحشة أو جور أو اعتداء، بأنّ يضع عزّ و جلّ حدّاً له، فيقطع يده ويقلع العاصي من الوجود، هم غافلون عن أنّ مثل هذا العقاب خلاف النظم والسنّة الإلهية التي أقرّها الله سبحانه وتعالى,وإنّ هذه الدار دار امتحان وتفريق بين الشقيّ والسعيد، والمطيع والعاصي، وهي عالم ظهور الفعليات، وليست بدار تبيّن نتائج الأعمال والملكات. وإذا انتقم الحقّ المتعالي من ظالم، لأمكننا القول إنّ عناية الحقّ عزّ و جلّ قد شملته.
إنّ النفوس البشرية منذ ظهورها وتعلّقها بالأجساد، وهبوطها إلى عالَم الدنيا، تكون على نحو القوّة تجاه جميع العلوم والمعارف والملكات الحسنة والسيّئة، بل تجاه جميع الإدراكات,ثم تتدرّج بعناية الحقّ جلّ جلاله نحو الفعلية شيئاً فشيئاً، فتظهر أولاً الإدراكات الضعيفة الجزئية، مثل حاسّة اللمس والحواس الظاهرية الأخرى، الأخسّ فالأخسّ، ثم تظهر ثانياً الإدراكات الباطنية بالتدريج أيضاً.ولكنّ الملكات لا تزال موجودة بالقوّة، فإذا لم تتأثّر بعوامل تُفجّر فيها الطاقات الخيّرة وتُركت لوحدها، فستنتصر الخبائث وستتحقّق الملكات الفاسدة وستنعطف نحو القبائح والمساوئ، لأنّ الدواعي الداخلية الباطنية كالشهوة والغضب وغيرهما تسوق الإنسان إلى الفجور والتعدّي والظلم. وبعد انقياده لهما يتحوّل في مدة قصيرة إلى حيوان عجيب وشيطان غريب.ولمّا كانت عناية الحقّ تعالى ورحمته قد وسعت بني البشر في الأزل، جعل لهم سبحانه حسب تقدير دقيق نوعين من المربّي والمهذِّب، هما بمثابة جناحين يطير بهما من حضيض الجهل والنقص والقباحة والشقاء إلى أوج العلم والمعرفة والكمال والجمال والسعادة، ويُحرّر نفسه من ضغط ضيق عالم الطبيعة إلى الفضاء الرحب الملكوتيّ الأعلى وهما:
• المربِّي الباطنيّ المتجسّد في العقل والقدرة على التمييز بين الحسن والقبيح.
• المربِّي الخارجيّ المتمثّل في الأنبياء والأدلّاء لطرق السعادة والشقاء.
وكلٌّ منهما لا يؤدّي دوره بدون الآخر، إذ إنّ العقل البشريّ عاجز لوحده عن معرفة طرق السعادة والشقاء، واكتشاف الطريق إلى عالَم الغيب، ونشأة الآخرة. كما أنّ هداية الأنبياء وإرشادهم لا تكون مؤثّرة بدون إدراك العقل والقدرة على التمييز.وقد وهبنا الحقّ تعالى هاتين النعمتين الكبيرتين امتحاناً لنا واختباراً، فبهما يتميّز أفراد بني الإنسان بعضهم من البعض الآخر، ويتمّ الفصل بين السعيد والشقي، والمطيع والعاصي، والكامل والناقص.فإنّ بعث الرسل ونشر الكتب السماوية إنّما هو لغربلة الناس ولفصل الأشقياء عن السعداء والمطيعين عن المعاصي. فنتيجة الاختبار بصورة مطلقة، هي فصل السعيد عن الشقيّ على صعيد الواقع الخارجيّ.وتتمّ في هذا الامتحان والتمحيص حجّة الله على خلقه أيضاً، وتكون تعاسة وسعادة كلّ شخص عن حجّة وبيّنة، ولا يبقى لأحد مجال للاعتراض.لأنّ كلّ من يُدرك جلال الربّ وعظمته أكثر، ويقف على المقام المقدّس للحقّ جلّ وعلا بشكل أعمق، يتألّم ويتعذّب من جرّاء عصيان العباد وهتكهم للحرمة أكثر. وأيضاً كلّ من كانت رحمته وعنايته وشفقته على عباد الله أكثر، تأذّى من اعوجاج العباد وشقائهم أكثر. وقطعاً كان خاتم النبيّين صلى الله عليه وآله وسلم في كلّ المقامات والمنازل الكمالية، أكمل من جميع النبيّين والأولياء وبني الإنسان فتكون محنه وآلامه أعمق.



