اخر الأخبار

حركة الإصلاح الشيعي

886

لا شك في وجود خارطة للمشهد الشيعي المعاصر سواء في شقه العربي وغير العربي، وهناك قوى وجماعات ذات نفوذ، تتقاسم المجتمع الشيعي، وتختلف بدورها في الأفكار والتصوّرات اختلافاً كبيراً تارةً ومحدوداً أخرى، كما تتنوّع أسباب الاختلاف من فكرية، وسياسية، واجتماعية و..وداخل هذا الوضع ثمة تيار ثالث يتمثل في عناصر ممزقة متفرّقة مشتتة ــ طبعاً بحسب تقييمنا لها ــ لا يجمعها سوى اللقاء الفكري، تدعو للتغيير المجتمعي والنهوض بالحياة الشيعية نحو الأفضل، والتغيير لا يعني قلب الصورة بنسف ما مضى، بل إن المراكمة عليها وإضافة أجزاء ناقصة يمكنه أن يحقق مطلباً كبيراً، ويتمثل هذا الفريق بمجموعة من رجال الدين والمثقفين والجامعيين وبعض رجال النفوذ الاجتماعي وأصحاب المال والإعلام و..، ولهذه الفئة شيء من الحضور النخبوي في المنتديات الفكرية، وفي الإصدارات الدورية الثقافية، كما لديها بعض الارتباط العضوي المحدود، وقد برز من بينها بعض الشخصيات الدينية وغيرها، لكنها ــ رغم حضورها ــ لا تبدو تياراً ثالثاً قادراً على إيجاد تماسك داخله؛ للنهوض بمشروع كبير.إذن، دعوتنا الأساسية في مؤتمر كبير تجتمع فيه الأطراف المستنيرة الناقدة لواقعها، لكي يكون خلاصاً لها من عقدة النقد الصرف، فيدخلها دائرةَ تحمّل المسؤوليات، والإحساس بالذات والكيان الجمعي أكثر من الإحساس بالآخر، وهو لقاء لا يحصل مرةً ثم يموت، بل يفترض أن يتواصل على الدوام دورياً؛ لتبادل الآراء، ونقد الذات، وتقويم الأداء.,ولكي ينجح هذا الملتقى ــ بأيّ شكل سهّل أمره ــ لا بدّ من ورقة أساسية يقوم عليها، ويفترض بهذه الورقة أن تركّز على بناء الذات لا هدم الآخر، أي أنّ ملتقى الإصلاح الشيعي لا يريد تدمير تيارات قائمة، بل يريد أن يصبح كياناً من بينها، له وجوده كجبهة موحّدة، لا مجرّد أفراد مهما كثُروا وبرزوا لن يخرجوا ــ غالباً ــ عن أطر الشخصانيات، سيما داخل المؤسّسات الدينية الكبرى، فالموضوع موضوع جبهة تعمل ضمن خطّة مدروسة، وعلى أكثر من صعيد، فبين التغييريين الشيعة اليوم، علماء دين، ورجال مال، ورجال إعلام، وكتّاب، ورجال سياسة، ورجال فكر وثقافة، ورجال أدب وفن..ومن أهمّ خطوات هذا المشروع ــ كي لا يبقى في إطار نخبوي، ذاك الإطار الذي قتل الإصلاح الديني في الشرق ــ تأسيس مشاريع إعلامية، تصنع الرأي العام، فهناك حاجة كبيرة جدّاً لفضائية تغييرية، ما تزال مفقودة حتى اليوم، تخرج عن أشكال الرتابة القاتلة في الإعلام الديني، وتضع ثقافةً جديدة من الرأي والرأي الآخر داخل الحياة الشيعية، إن الجميع يعرف أن ظهور الفضائيات العربية منذ تسعينات القرن الماضي أحدث تحوّلاً في الثقافة العامة، فالكثير من المسلمين لم يكونوا ليسمعوا سوى صوت السلطة وإعلامها، إن ظهور الرأي الآخر ــ وسط جدل ــ يمكنه أن يغيرّ نمطية العقل الديني في الوسط الشيعي، ويدخله في سياق جديد، يثير فيه كلّ المعطيات الحديثة، ويعمل على إعادة إنتاج الفكر من جديد، بعيداً عن أجواء الرتابة والخطاب الإيقاعي المكرور دينياً.ليست الفضائية ضرورةً فحسب، بل الصحيفة، فثمّة العديد من المجلات ــ مع الكتب ــ التي تخاطب النخب والمثقّف، لكنها محدودة الانتشار على أيّ حال، متباعدة المدة، لا تصنع رأياً عاماً، بل تكوّن نخباً مثقفة، وهذا عمل طيّب وجدير بالشكر والتقدير، إلاّ أن الصحافة أمر آخر، مختلف تمام الاختلاف، لماذا لا يملك الإعلامي الديني حتى اليوم صحيفة يومية في العالم العربي ــ إلاّ ما شذّ وندر في بعض المناطق ــ تُعنى بالفكر والفنّ والأدب والسياسة، ويكون لها رأي في هموم الناس، وإذا كنا لا نحبّذ لحركة الإصلاح أن تتحوّل إلى حزب أو منظمة، فإن الصحيفة بإمكانها تشكيل ما هو في قوّة حزب أو منظمة، بمعنى أن بإمكانها صنع جمهور خاصّ بها، ولا أجد نفسي بحاجة إلى تضييع الوقت في شرح تاريخ الصحافة وتأثيرها في الرأي العام، لكي أؤكد مدى أهمية هذا المشروع في بلادنا العربية,ومن منطلق الحرب الاقتصادية يأتي دور الدعم المادي المتبادل، فعلى جماعات التغيير ــ بما عندها من رؤوس أموال ومواقع اقتصادية ــ أن تفكّر جيداً في موضوع الدعم الذي يفترض أن يطول أولئك المستفرَدين من أبناء هذه الطائفة، بجُرم الرأي والفكر والعقيدة، فعندما يشعر أبناء هذه الطائفة من أصحاب الرأي أنهم محميّون في حياتهم المادية فإن بإمكانهم الانطلاق، يجب أن لا نستخفّ بهذا الأمر، ففي حدود اطلاعي ثمة أعداد كبيرة ذات رؤى، لكنها مقموعة داخل هذا الوضع المادي الضاغط، والتفكير معها في صيغةٍ أمر ضروري,وإذا أرادت الحركة التغييرية أن تعيد صنع العقول وتكوين الرأي العام، يجب أن تخرج عن منطق الوصاية والتلقين، ومن ثم نحن بحاجة إلى رموز رسالية تعيش مع الناس وتعاني همومهم، إن علماء الدين ــ والحمد لله ــ أثبتوا بمرور الزمن جدارةً عالية على هذا الصعيد ــ طبعاً فريق منهم ولا أزعم جميعهم ــ فعلينا أن لا نجحف أحداً حقه، فالإنصاف سيّد المواقف، ومعنى ذلك أن من المفترض النزول من أبراج الثقافة العالية، وصالونات الفكر المخملية؛ للتواصل مع الناس قدر الإمكان، لا أقلّ من تنويع الأدوار، وعدم الإصابة بمرض الغرور والنرجسية الذي ابتلي به مثقفنا الديني غالباً، فظلّ يتهم مجتمعه بالتخلّف والرجعية و…لماذا لا يوجد فيما بيننا خطباء ورجال منبر وكاريزمات مؤثرة في الرأي العام إلا قليلاً، ولماذا تعالينا عن هذا الملفّ الحسّاس زاعمين ــ كما زعم بعضُ من كان قبلنا ــ أنه دون شأن المثقف الحصيف، أو تفكيره وطموحه,فهذه هي رسالتنا- لاسيما لشباب التغيير الصاعد ــ الذي نطالبه بالثقة بنفسه ووضع برامج لعمله وأن لا يترك الزمن يسير به كيفما أراد محبطاً يائساً من صنع شيء، حيث أدّى الشيوخ قسطهم، وجزاهم الله خير جزاء المحسنين، فذهب بعضهم ــ كالصدر الأول والثاني مع الإمام موسى الصدر، والمطهري والبهشتي ومغنية و.. وفي مقدّمتهم الإمام الخميني ــ وظل العبء على كاهل أمثالنا أن يتحمّلوا المسؤولية، فكلّ الحركات الكبيرة في تاريخ الإنسانية بدأت قرارات صغيرة ومحدودة.واليوم آن الأوان للتغييريين أن يخرجوا من مرحلة الدفاع والخوف على الذات إلى مرحلة الهجوم (العلمي الأخلاقي)، أن يبرزوا كقوى ضغط، تساهم في صنع الواقع إن شاء الله تعالى، بدل أن يظلّوا ملاحقين في قفص الاتهام داخل مجتمعهم الديني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى