حقيقة الدعاء ومقتضيات القبول والإستجابة


كلنا يعرف أنَّ للإنسان حاجات ومطالب وآمالاً ورغبات وأماني يتطلع إليها ويتمنى الوصول إليها أو الحصول عليها في هذه الحياة الدنيا وكذلك في الحياة الآخرة. لكن الله سبحانه وتعالى قضت مشيئته أن هذه الأماني والغايات والآمال والمتطلبات وما يسعى إليه الإنسان ويأمل بأن يحصل عليه سواءً في الدنيا أم في الآخرة؛ اقتضت المشيئة الإلهية أن يكون طريق هذا الأمر هو عمل الإنسان: أن يعمل الإنسان وأن يسعى وأن يجد وأن يجتهد وأن يبذل وقته وعمره ليصل بإرادته.لكن الله سبحانه وتعالى، لما تعلقت مشيئته بأن على الإنسان أن يعمل ويجهد ويثابر، أعطاه المقدرات والمقومات والإمكانات ليحقق هذه النتائج: سخّر له كل ما في هذا الكون: الشمس، القمر، النجوم، الرياح، الأرض، الطبيعة، الحيوانات. المطلوب من الإنسان فقط أن يبذل جهدا. الله سبحانه وتعالى أعطاه عقلا ومعرفة وعلما. الله سبحانه وتعالى أعطاه إرادة وحرية الاختيار، وأعطاه القدرة على الاستفادة من الأشياء والقدرة على الاستفادة من التجارب البشرية طوال التاريخ وأرسل له الأنبياء والرسل وأنزل عليه الكتب السماوية. أعطاه كل شي يمكّنه من أن يصل إلى حيث يطمح، وحيث يحب أن يصل في الدنيا أو في الآخرة. الله سبحانه وتعالى وفّر له وهيّئ له كل ذلك. يبقى الأمر بعد ذلك عند الإنسان نفسه,فمن جملة الأبواب التي فتحها الله سبحانه وتعالى للإنسان ليدخل منها ويحقق ما أحب في الدنيا والآخرة؛ من جملة الأسلحة ــ ويمكن تسميتها بالسلاح ــ التي زوّد الله سبحانه وتعالى بها الإنسان من أجل الدنيا والآخرة هو الدعاء.الدعاء؛ ما معنى الدعاء. يعني أن يطلب أحدنا من الله؛ يسأل الله؛ يتكلم مع الله. هذا هو الدعاء. الله سبحانه وتعالى أعطانا؛ فتح لنا هذا الباب، وأعطانا هذه القدرة وهذه الإمكانية وقال: هذا الدعاء مثل أمور أخرى؛ أنا أعطيتكم إياها وفتحت لكم أبوابها. أنعمت عليكم بها لتصلوا إلى الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة. ولذلك من أعظم النعم الإلهية على الإنسان هو أنَّ الله عزّ و جلّ أذِن لنا بدعائه ومسألته وأن نجلس بين يديه وأن نكلمه وأن نخاطبه,فالنظام الكوني قام على سبع سماوات. الله خلق سبع سماوات. هذه هي حكمته. أو مثلاً: يا رب أقم الساعة الآن؛ الآن أقم القيامة على البشرية. أو مثلاً: يا رب ابعثني نبياً فأنا عبدك الذي يحبك ويطيعك؛ ابعثني نبياً في هذا الزمن. الله بمشيئته ختم النبوة، وأنت تطلب منه أن يتخذك نبيا ؟ّ!..وأنه ليس بمجرد أن طلبنا من الله يعني أن الاستجابة ستقع غدا أو بعد غد. وهذا لا يتنافى مع الإلحاح بالطلب. الإلحاح شيء وعدم الاستعجال شيء آخر. الإلحاح مطلوب. الله سبحانه وتعالى يحب أن يسمع صوت عبدهُ؛ يحب أنَّ يلح عبده عليه في الطلب. ولكن عدم الاستعجال يعنى، أن لا أشعر باليأس أو أمتنع عن الدعاء مجددا،إذا لم يحصل غدا ما طلبت. لأنَّ عدم الاستجابة قد يكون لها ظروفا ومعطيات مختلفة:من أهمها أن الله سبحانه وتعالى كريم وجواد، لكن هو أيضاً لطيف رحيمٌ بعباده وخبيرٌ بعباده: يعرف ما يصلحهم؛ ما يصلح لهم في الدنيا، وما يَصلح لهم ليكونوا من أهل الآخرة..فالله سبحانه وتعالى يعرف ما يَصلُح لعبده: لدنياه ولآخرته. قد أكون الآن مريضا فأطلب من الله شفاء. الله يعلم أن مصلحتي خلال السنتين أو الثلاث، في أن أبقى مريضا. وأنني -لو عوفيت- سأقوم بأعمال سيئة: أقتل فأدخل السجن، وفي ألآخرة سيكون مصيري إلى جهنم. الله يعلم، فلذلك يجب أن لا أعجل على الله، والله لا يعجل لعجلة العباد. وإنما أطلب من الله سبحانه وتعالى ما هو حلالٌ، ما هو مطلوبٌ وما هو مرغوبٌ وألحّ بالطلب وأسلّم لله عز وجل. أسلّم له وهو الذي يختار ما فيه صلاحي في الزمان والمكان المناسب.



