المراقب العراقي تنشر رواية «المتلصّصة» للكاتبة اللبنانية زينب فياض


الجزء السابع
زينب محمود فياض كاتبة من لبنان. ولدت وعاشت في الكويت، ثم انتقلت إلى لبنان لتكمل تعليمها في دراسة الأدب العربي. تنقلت بين التعليم وإعداد وتقديم برامج الصغار التلفزيونية. كانت من المشاركين في تأسيس جمعية (حواس) الثقافية. أصدرت أول رواية لها (المتلصصة) والتي تنشرها (المراقب العراقي). لها كتاب حواري مع الفنان والاعلامي والاستاذ الجامعي عبد الحليم حمود اسمه (المطرقة)، ولها روايتان قيد الطبع.
كتبت زينب فياض هذه الرواية لتستفز العقل الراكد في مستنقع الخيبات. بدأ من عنوانها الذي أثار بعض الجدل والتحفظات حيث أن هذه الصفة قد تبدو للمجتمع سلبية ومحرضة للعقل ليتجه بتساؤلات مستنكرة. كيف لمتلصصة أن تجهر أمام الجميع بهذا الفعل المثير للريبة.عبد الحب
يقف يومياً على نافذته الضيقة ذات النتوءات الغريبة والألوان الباهتة يخيّل للرائي أنها موجودة منذ قرون، على الرغم من أن هذه الأبنية لم يتجاوز عمرها عشر سنوات إلّا أنّ الذين بنوها استعملوا أرخص وأزهد مواد البناء. دوماً بيده لفافة تبغ وفنجان قهوة ورقي كأنه لم يملك أبداً ثمن فناجين زجاجية كبقية البشر. يصاحب هذه الطلّة دوماً صوت أغانٍ قديمة لم تكن دارجة في ذلك الزمن. تلك السنوات تميّزت بظهور مغنٍّ كلّ نصف ساعة، حيث شهدنا مستنقعات التلوث الفكري ونشوء بؤرة تسمي نفسها شركات إنتاج لتفقيس صيصان الفن بسرعة مذهلة لتموت شهرتهم بالسرعة ذاتها. حين سألته ذات يوم مستفسرة عن الأصوات الجميلة التي يستمع لها وينطرب بها. عدّد لي أسماء مطربين كمن ينعى أسماء الموتى بحزن وأسى (ناظم الغزالي، وديع الصافي، فيروز، وردة، عبد الحليم حافظ). هذا الأخير سمعتُ به بل حفظت أغانيه التي لا تفتأ تردّدها والدتي وهي تقوم بأعمال المنزل أو تضع مذياعاً وتبحث عبره عن هذا الصوت العندليبي لتملأ البيت بجميل وروعة هذا الصوت الحالم.
صارت هذه النافذة المتنفّس الوحيد لي لأراقبه منها. فهو الوحيد في كلّ هذا الحيّ الذي لا أستطيع التلصّص عليه من نتوءات أو كوّات أو أي فتحات بيني وبينه. ضمن معايير المراهقات هو طالب جامعيّ جميل أسمر ذو شعر أسود ناعم عيناه عسليتان كحبة الكستناء التي لم يشاهد أحد من هذا الحيّ الفقير شكلها وملمسها إلاّ في بيتنا. نحن الوحيدون الذين تذوقنا يوماً طعمها وتحننّا على بعض الجيران بالقليل منها حين يغدق جدّي علينا بهداياه في المناسبات والأعياد. عبد ابن الجيران طويل جداً وضخم، حين يجلس على كرسيه خلف النافذة أستطيع أن أشاهد نصف جزعه على الرغم من جلوسه. عادة أحادثه من على شرفتي القريبة جداً من نافذته، لكنها أكثر علواً. لم يعدّني متطفلة عليه يوماً. أقنعت نفسي بأنه يحبني فهو يناديني (الأمورة). يستهويني هذا الدلع فأتأكد أكثر أنّه يحبّني كما أعشقه. أحياناً كنت أجيبه (أمورة عبد) فيغرق بالضحك وينظر لي بحنان ولطف لم أرَ مثلهما في حياتي كلّها لاحقاً. سألته يوما متطفلة كعادتي محاولةَ استمالة عطفه واهتمامه «عبد ماذا؟ عبد الله! عبد العزيز»! أجابني حينها بكلمتين كانتا الدليل القاطع لإثبات أنّه متيّم بي كما أنا متيّمة به، ولو كنت بعمر الرابعة عشرة لا يهم. جوابه تأكيد لمشاعري البلهاء تلك المدة. «عبد الحب» ويبتسم فتتسع عيناه الكستنائيتان وتنفرج شفتاه الغليظتان عن أسنان ناصعة البياض. فتُسكرني هذه الجملة وتلك الابتسامة وأشعر أنّي حبيبته الوحيدة، فأضع يديّ على حافة الشرفة وتسترخي ذقني فوقهما كحمامة هادئة وديعة ونظراتي تتحوّل حينها إلى حمائم زاجلة علّه يبادلني هذا الشعور الجميل. عبد أول حبّ لي. عرفت هذا الشعور بمجرد أن التقيته. لاحقا اكتشفت أنّه فعلاً هو حبّي الأول، ولكنه كان يملك حباً آخر. كان حبي «الأبله» إذا استطعنا توصيف هذا الأمر بمنطقية أكثر الآن. عبد يعيش وحيداً في نصف شقة، هي كذلك لأن صاحب البيت اقتطع مساحة من بيته، غرفة وحماماً ليتم تأجيرهما، بذلك يستفيد من دخل إضافي ليعين أسرته. لم يكن صاحب الشقة إلّا سعيد السنكري الذي نستعين به كثيراً لتصليح صنبور الماء المهترئ أو البواليع التي تفيض وتُغرق المنزل بالمياه الآسنة. هو يوم سعدي حين ترسلني والدتي لأستنجد بسعيد السنكري، إذ إنّ المرور ببيته يعني لي الوقوف على باب عبد. ولأن شقته في الطابق الرابع كنت آخذ استراحات مؤقتة في كلّ طابق كي لا أصل وأنا لاهثة، ليراني عبد بأجمل منظر. تعمّدت في كلّ مرة أزور السنكري ارتداء أجمل ملابسي، برغم تعنيف والدتي لي «أنا أرسلكِ لسعيد السنكري وليس لقصر الأونيسكو». لم أعلم ما «قصر الأونيسكو» حينها؟، ولكن جُلّ ما أعلمه أن باب شقة عبد بمحاذاة باب السنكري، وهذا يكفيني لأتأنق فهو يوازي عندي القصور كلها. تعوّد عبد أن يترك باب منزله مشرعاً في فصل الصيف، فهو لا يملك ثمن مروحة تقيه الحرّ ورطوبة الجو. إبقاء الباب موارباً قليلاً كان عزّ الطلب لي. بهذه الطريقة أستطيع التطفل عليه كيفما أريد. هو يفتح الباب ليدخل الهواء وإن كنت أعتقد أنه يُشرعه لأدخل أنا. يكفيني أن أقف على عتبة بابه لأشم عطره الذي يطغى على رائحة الرطوبة. غرفته الصغيرة خالية إلاّ من كنبة تتحوّل لسرير ليلاً وطاولة متآكلة عليها الكثير من الكتب وثلاجة صغيرة. لا أعلم ماذا يمكن أن تحتوي ثلاجة بهذا الحجم في داخلها. تمنيّت أن أتلصّص عليها، ولكن لم يحالفني الحظّ يوماً. في كلّ مرة أخترع عذراً لأكلمه. في إحدى المرات أهديته صحناً مملوءاً تيناً أحضرته جدتي من القرية لنا. لم أخبر والدتي حينها أنني سرقته من ثلاجتنا. لم أفكر لحظتها بعواقب الأمور. جلّ ما يهمني أن أتذرع بأمر ما لأكلّم عبد. قال لي حينها «كلّ هذا لي يا أمورة؟ سآخذ بضعة أكواز من التين. وأعيدي المتبقي لوالدتكِ واشكريها عن لساني جزيل الشكر». وضع حينها يده على رأسي. أحسست بدوارٍ لذيذ وكاد يُغمى عليّ. لحظات وكنت سأبوح بحبّي له لولا تدخّل تلك المتطفّلة حينها. تلك الفتاة التي قتلت لي حباً كان في المهد ولم يكبرْ أبداً. يا لتعاستي كم هي جميلة وأنيقة، شعرها الأشقر المنسدل على كلّ ظهرها جعل نار الغيرة تتأجج في قلبي، فهي منافس قوي لي أمام عبد. دخلت وهي تحمل له بيديها بعض الأغراض من أكل ومشروبات وغيرها. نظرت لي بلطفٍ شديد مع أني نظرت لها بكلّ لؤم وكره وغيرة واشمئزاز. هل هناك كلمات أخرى يمكن كتابتها الآن لأصف شعوري في تلك اللحظة؟ هادمة الملذات أتت من حيث لا أعلم وقاطعت وقفة العشق التي كانت تجمعني بعبد والتي كدت أبوح فيها بعشقي له. تباً لهذه الشقراء التي اقتربت منّي وقالت «كيفك يا أمّورة»؟ اعتقدت أنها كلمة للعاشقين تُقال بينهم. استشطت غضباً «لا بدّ أنّه أخبرها عنّي وإلاّ فكيف عرفت اسم الدلع الذي اختاره لي»؟ اكتشفت مؤخراً في تلك السنة أن كلّ الفتيات بعمري هن (أمّورات). هي صفة تطلق على مَن لم تتجاوز الخامسة عشرة. تباً لعمري الذي منعني من حبيّ الأول. عبد ورولا كانا ثنائي حب رائعاً، الجميع في الحي عرف بالأمر إلّا أنا، ربما لأن التلصّص أخذ من وقتي كثيراً تلك المدة. كلّ ما جال في خاطري حينها أن أخبره بحبي له متمنية أن يترك رولا ويحبّني. هل يعلم أنه فطر قلبي؟ ربما حين يعلم سيغيّر رأيه كما في الأفلام، حيث يفعلها الحبيب النبيل. أكثر ما يضحكني الآن هذه الحادثة «كم هنّ غبيات الفتيات بعمر المراهقة». ربما يستمر الغباء معهن لاحقاً، ولكن بكمية أقل أحياناً أو أكثر نضجاً. غباء ناضج. وداعاً للغباء البريء وأهلاً بعالم النضج القادم.
مرّت سنوات كثيرة بعد أن رأيت عبد للمرّة الأخيرة. كنتُ أحلم وأتمنى لقياه بعد هذا العمر. أتذكر ذلك اليوم بوضوح في معرض الكتاب، حيث ظهر أمامي وهو ممسك بيد طفلة لم تبلغ الخامسة من عمرها جميلة جداً. تبادر لذهني لحظتها جمال حبيبته رولا. اقتربت منه مصافحة يده بقوة وبحبّ وشوق. اعتقدت للوهلة الأولى أنّه سيعرفني بعد عشر سنوات من خروجه تاركاً الحي. ما زال لطيفاً كما عادته. تغيّر شكله قليلاً بوجود اللحية التي غطت وجهه وطريقة لباسه الأكثر تحفظاً من السابق، فيما مضى كان يبدو أكثر تحرراً بما يرتديه مواكباً للموضة بأناقته وزيّه المميز دائماً. «أتمنّى أن تسعفني ذاكرتي لأعرف هذا الوجه اللطيف، يبدو أنّ ذاكرتي خانتني بهذه اللحظة». وأشرقت بوجهه بسمة عزاء لأنّه لم يتذكّرني. ورددت بكلّ حزن وخيبة «لا عليك أستاذ عبد يبدو أنّي كبرت كثيراً وتغيّرت، ولكن أنت كما أنت متألق كما عهدتك». سحبت يدي وهممت بالمغادرة لأدعه مع صغيرته التي كانت تحمل قصصاً وكتباً. انشغلت بالنظر لما تحتويه الأكياس التي بين يديها. ما كان منه إلّا أن أمسك بيدي التي كادت تتفلّت من يده وبقوّة هذه المرة وشوق يغمر عينيه، قال: «رحيل الأمّورة». صوته في هذه اللحظة صار مملوءاً حماسة ودهشة وترحيباً مضاعفاً مبالغاً فيه. حينها نطق عارف صديقي الواقف بجانبي منذ أول الحديث «هي الأمّورة، ولكن مع بعض التغييرات». وضحكنا لحظتها جميعاً حتى الصغيرة المنهمكة بكتبها وأغراضها ضحكت وقالت بصوت ممازح ورقيق «الأمّورة». نصف ساعة من الحديث الشيّق مع حبيبي الأول الذي عشقته يوماً بكل براءة الحب و وهم الطفولة الساذج. عرفت حينها أن عبد لم يتزوّج رولا.



